من يملك الحقيقة؟

يوليو 21, 2015
عدد المشاهدات 1222
عدد التعليقات 0
مادونا عسكر/ لبنان
من يملك الحقيقة؟
مأساة الشّعوب تجد جذروها في ادّعاء المجموعات بامتلاكالحقيقة، بغضّ النّظر عمّا تمثّل الحقيقة لكلّ جماعة. وهي مأساة حقّة، لأنّه بهذاالادّعاء تسمح كلّ جماعة لنفسها بالسّيطرة على الآخر والتّحكّم فيه. وتؤكّد شتّىالأحداث التّاريخيّة أنّ كلّ من أطاحوا بالشّعوب واستعبدوهم وانتهكوا كرامتهم الإنسانيّة، كانوا ممّناعتبروا أنفسهم يملكون الحقيقة. بالمقابل من لامسوا الحقيقة وهم قلّة، تعمّقوا أكثرفي تشريح النّفس الإنسانيّة وكينونتها وثابروا على إيصال قناعاتهم بأسلوب حضاريّ.
– ما هي الحقيقة؟
سؤال تصعب الإجابة عليه ببضع كلمات، ويلتبس المعنى الجاد للحقيقة، إذا ما حوّلناهإلى معادلة حسابيّة تنال نتيجتها بمفاهيم ضيّقة. فالحقيقة تفترض بحثاً واجتهاداًفكريّاً ونفسيّاً ووجدانيّاً حتّى تبزغ أولى خيوطها النّيّرة، وتتسرّب إلى أعماقالإنسان. ما يستدعي مسيرة حياة يحياها الإنسان بين القراءات والتّأمّلات وخبراتهالذّاتية وخبرات الآخر. كما أنّه لو بلغ جزءاً يسيراً منها، فهو لن يتبيّن إلّاتمتمات، لأنّ الحقيقة سرّ يدخله الإنسان ليكتشفه أكثر فأكثر، وليس ليعتبره المحطّةالأخيرة. ولا نعني بكلمة ” سرّ”، الغموض – Mystère – أو حائطاً مسدوداً لا يمكن اجتيازه، وإنّما نعني بهجوهراً مكتفياً بذاته، لا يمكن لأحد أن يمتلكه أو أن يضيف عليه أو يبدّلجوهره.
يعتبر البعض أنّ الحقيقة هي الله، أو الدّين، أو العقل،أو الموت… بيد أن هذه التّعاريف تبقى نسبيّة من شخص إلى آخر، كما أنّها تخضعللشّكّ والتّحليل والبحث حتّى يتبيّن يقينها. ولا يجوز أن نعتبرها حقيقة لمجرّدأنّها موروث حملناه أو تربّينا عليه، كما أنّ هذه الحقيقة لا تكتسب هيبتها ما لمتكن اكتشافاً شخصيّاً استلزم الفحص والتأكيد. فكلّ نظريّة أو فكرة تخضع للشّكّ،أيّ تخضع للتّفكير والبحث والاختبار، وإلّا أصبحت مجرّد أفكار وتقاليد موروثة يسهلالتّخلّي عنها بمجرّد الاقتناع بنظريّة أخرى.
كلّ شيء يمتثل للشّكّ، وحرّيّة التّفكير ورصانة العقلوانفتاح القلب. ويجب ألّا نخاف من الشّك لبلوغ الحقيقة. فالشّك لا يعني الرّفضالمطلق، وإنّما الشّك يعني عدم قبول الأمور تلقائيّاً أو اعتباطيّاً دون احترامالعقل وقدراته. وخلال هذا البحث العقلي والقلبي، تنفتح أمام الباحث عن الحقيقةأبواب المعرفة. فيستثمر قدراته العقليّة وتأمّلاته الشّخصيّة الخارجة عنه، والأخرىالكامنة في عمق ذاته، فيتلمّس شيئاً فشيئاً جزءاً من الحقيقة. ويبدأ تدريجيّاًالدّخول في سرّها، ولا يبلغها كاملة بل ما يبرح يدور في فلكها ليكتشفها. لذا، فالحقيقة لا اسم لها، إنّها الجوهر الّذييحوي كلّ الحقائق المرافقة لحياة الإنسان، وهي تسمو فوق كلّ الأسماء وكلّ الحقائق.
– في أخلاقيّات البحث عن الحقيقة:
البحث عن الحقيقة يتطلّب من الإنسان الالتزام باحترامفكر الآخر وبحثه وجهوده، بغضّ النّظر عن صوابيّة أو ضلال بحثه أو قناعته أوالنّتائج الّتي تمّ التّوصّل إليها. فللحقيقة طرق عديدة، من خلالها يستدلّ الإنسان على نورها. من الصّعب أنيلتقي الجميع على نفس الطّريق، لأنّ الاختبار الشّخصي محدود بالفرد، ولا يستوي بينالأشخاص. ولعلّ أجمل ما في البحث عنالحقيقة تنوّع وسائلها وسبلها، فتتشكلّكلوحة فسيفساء، كلّ حبّة فيها تختلف عن الأخرى. إنّ وحدة الحقيقة تكمن في تعدّدالسّبل الموصلة إليها، وتتجلّى في حضارة التّعدّد الّتي تصبّ في جوهرها. كلّ فكر باحثعن الحقيقة يتضافر وفكر باحث آخر حتّى يصلا معاً إليها، فيزداد الإنسان غنىًوخبرة، بل وتنفتح أمامه سبل أخرى ربما تاهت عنه، تصوّب مساره وتوفّر له مفهوماًمتجدّداً لمواصلة البحث.
والبحث عن الحقيقة يختلف عن بلوغها، لذا فكلّ باحث لاينبغي له أن يفرض قناعاته ويعتبر نفسه قادراً على إقناع الآخر بها. وبما أنّ البحثعن الحقيقة اختبار شخصيّ، وجب على الإنسان الاكتفاء بعرض قناعاته والتزامها دونالتبجّح بها، ودون أن يمنح الحقّ لنفسه بالتّسلّط على الآخر واعتبار ذاته في منزلةأرفع . ولعلّ ما يرفع من مستوى الباحث عن الحقيقة إلى مستوى الحقيقة التّواضع، سمةالعظماء. فالتّواضع يمنح الإنسان القدرة على احترام قدرات وخبرات الآخر، ويسهم فيالازدياد من العلم والمعرفة، كما يوضّح له الصّواب من الخطأ.
– لا أحد يملك الحقيقة.
في كلّ مرّة يدّعي شخص أو جماعة أو حزب، امتلاك الحقيقة،فإنّما يؤكّدون بذلك عدم وجودها، أو بمعنى أصح عدم أهمّيتها. فالشّيء الّذي يسهلبلوغه وامتلاكه، يحتاج إلى من يمنحهأهمّية وقيمة. ولعلّهم يقولون ذلك عن جهل أو غير وعيٍ أو بهدف التسلّط على الآخروالتحكّم به. لأنّ من يتلمّس الحقيقة لا يمكنه إلّا أن يحترم الكيان الإنسانيويسعى إلى المحافظة على الكرامة الإنسانيّة. أمّا من يدّعي امتلاك الحقيقة، يفرضهابقوة ويطيح بكلّ القيم الإنسانيّة، ويسمح لنفسه باستعباد كرامة الآخر وانتهاكحقوقه بل وسلب حياته. كأن تفرض جماعة دينيّة مبادئَها العقائديّة، أو كأن يُلزمحزب ما النّاس على الاقتناع بعقيدته الحزبيّة، أو كأن يُقسرَ الإنسان على السّلوكفي منهج فكريّ محدّد… من يُلزم النّاس بحقيقة ملتبسة يدّعي بلوغها، يُدخلالخاضعين له دائرة الاستعباد، ويغرقهم في مستنقعات الجهل والعمى الفكري والروحي،ويؤسّس لمجموعة من النّاس تنتهج مبدأ الظّلم والعبث بكرامة الآخر.
لا أحد يملك الحقيقة، لأنّ الحقيقة لا تخضع لأحد، ولا ييحتكرهاالفكر الإنساني، بل هي نور يسطع للجميع، وتنتظر انفتاح العقل والقلب حتّى تتسرّبإلى الدّاخل الإنساني. جلّ ما يصل إليه الإنسان جزء من الحقيقة، ولا يرى منها إلّاأنواراً خافتة تدعوه دوماً لمزبد من الاكتشاف. وكلّما اقترب منها، غاص في العمقأكثر فأكثر.
الفرق بين الباحث عن الحقيقة وبين من تلمّسها، هو أنّالأوّل يستبيح الحياة الإنسانيّة ليفرض نفسه، وأمّا الثّاني فيبذل ذاته من أجلهاغير خاضع لأيّ ضغط فكريّ أو نفسيّ، وإنّما لأنّه عاينها بالفعل.



