كتاب عدن

الفقيد أبو ماجد يزرع الوطن في حناياه ويغادر!

مايو 31, 2015
عدد المشاهدات 1368
عدد التعليقات 0
الفقيد  أبو ماجد يزرع الوطن في حناياه ويغادر!
                     د عيدروس نصر ناصر
غادر دنيانا الفانية يوم أمس السبت 30 مايو 2015م الشخصية الوطنية والقائد السياسي الجنوبي، مربي الآلاف من النشطاء السياسيين الجنوبيين منذ مطلع سبعينات القرن الماضي الفقيد حسين عوض عبد القوي السعيدي اليزيدي، هذا الرجل الذي حمل لوطن بين ظلوعه حيا وميتا.
كان خبر وفاة الفقيد أبو ماجد صاعقا مزلزلا، فحسين عوض ترك فراغا لا يغطى وشكلت وفاته خسارة لا تعوض، إذ كان الفقيد شخصية اجتماعية سياسية متعددة القدرات كثيرة الحضور في الأفراح والأتراح، في المحافل الاجتماعية والفعاليات السياسية وفي المناسبات الشخصية والعائلية لكل من تعرف عليه، ولا يوجد من يعرف حسين عوض إلا وخسر بغيابه خسارة فادحة لا يمكن استرجاعها، لأن الرجل كان يعطي كل ما يقدر أن يعطيه لغيره دون أن يأخذ أو ينتظر مكافأة من أحد وعند ما كان الشكر هو المكافأة الوحيدة التي يتلقاها كان يعتذر بتواضع شديد مصورا أنه لم يفعل غير الواجب.
تعرفت على الفقيد الوطني الكبير حسين عوض  في العام 1970م في أول حضور لي اجتماع تنظيمي موسع يعقد على مستوى مركز القارة الذي كان اسمه المركز الثاني، كجزء من مديرية يافع التي كان اسمها المديرية الغربية وكانت تضم آنذاك مديريات يافع السبع والتي كانت إحدى مديريات محافظة أبين الأربع التي كانت تسمى المحافظة الثالثة، . . . مديريات يافع السبع الموزعة اليوم بين محافظتي لحج وأبين، واستمعت منه مع مئات الحاضرين الى كلام جديد أستمع إليه لأول مرة من قائد سياسي محنك يمتلك ثقافة سياسية رفيعة وقدرة عالية على الإقناع ودماثة خلق في تقبل الملاحظات وتصحيح الاخطاء بابتسامته الصادقة التي لم تكن تفارق محياه حتى في لحظات الضيق والأسى،. . . كنت حينها أستعد لبلوغ سن الرشد لكنني كنت قد دخلت السياسة مبكرا وعمري بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، وكان حسين عوض أحد القادة البارزين الذين تركوا أثرا لا يمحى في ذاكرتي ظل ولا يزال يصاحبني ويكبر معي كلما تقدم بي العمر.
منذ ذلك اليوم صار الفقيد وعدد من المناضلين الذين قابلتهم كالشهيد ثابت عبد رحمهما الله والأستاذ المربي محمد علي ناصر الجبيري والمربي القاضي زيد حنش عبد الله أطال الله في عمريهما من الذين اعتبرت كلا منهم مثلا أعلى أسعى إلى تقمص شخصياتهم كلما مر بي موقف عصيب أو سؤال فكري معقد أو لحظة سياسية شائكة أو محنة شخصية.
كان الفقيد حسين عوض يجمع بين خصائص قلما تجتمع في شخص واحد فهو يتمتع بعمق الوعي السياسي مقابل التواضع وعدم التعالي على من هو دونه ثقافة ومعرفة، وهو يمتلك خبرة سياسية لكنه لا يستغني عن الاستماع لغيره من الساسة والاستنارة بآرائهم، وهو يتبوأ المواقع القيادية السياسية لكنه يغادرها بهدوء بل وبطلب منه أحيانا، وهو يناضل بثبات ومثابرة ونكران ذات دون أن ينتظر مكافأة من أحد فردا كان أم جماعة.
تولى الفقيد قيادة العمل الحزبي في المديرية الغربية محافظة أبين منذ نهاية ستينات القرن الماضي وتدرج في المراتب المختلفة في محافظتي أبين ولحج فبعد فصل مديرية يافع وتوزيعها بين محافظتي لحج وأبين في العام 1980م  صار مسؤولا تنظيميا لمديرية يافع / لحج،  ثم سكرتيرا ثانيا لمنظمة الحزب في أبين منذ العام 1987م واستمر كذلك حتى الهام 1993م حيث ترقى ليصبح السكرتير الأول لنفس المنظمة، حتى العام 2005م وكان آخر موقع شغله هو عضوية اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي في المؤتمرين الرابع والخامس  منذ العام 2000 حتى يوم وفاته رحمة الله عليه.
لم يصب الفقيد بالخيبة والانكسار ولم تؤثر على معنوياته عجرفات المنتصرين الزائفة ومسالكهم الاستفزازية المكتظة بالغرور والعدائية للشرفاء من أمثال الفقيد كما لم تثنه الملاحقات وسياسات التضييق والعقاب المادي والاستيلاء على منزله في أبين وحرمانه من مستحقاته القانونية عن التمسك بقيم العزة والشرف والحرية والكرامة ومقاومة الظلم والانحياز الى ضحايا التهميش والتمييز، بل لقد ظل ثابتا على الحق متمسكا بخيارات الحرية والعدالة، قويا متماسكا مؤمنا بحتمية زوال الباطل وانتصار الحق، شجاعا ولكن بسيطا، أبيا لكن متواضعا، عفيفا لكن مخلصا ومتفانيا من أجل الوطن والمواطن.
ومع انطلاقة الثورة السلمية الجنوبية في العام ٢٠٠٧م كان الفقيد دائما في الصفوف الألى للفعاليات الاحتجاجية السلمية، بل كان يحشد الناس للمساهمة في كل عمل سلمي ويستخدم حب الناس له لجذبهم إلى التمسك بعدالة القضية الجنوبية واستطاع بذلك تجنيد الآلاف ليغدوا أنصارا للثورة الجنوبية ونهجها السلمي، وقد نال نصيبه من الملاحقة والتضييق والاعتقال لعدة مرات بسبب نشاطه السياسي وعانى الكثير بسبب شجاعته ونقائه وصدقة وانتمائه الى الحراك السلمي الجنوبي وانحيازه إلى صف الضحايا والمظلومين ولكن في كل مرة كان يخرج أقوى إرادة وأشد تماسكا وأنظف يدا وأنقى ضميرا وسمعة. 
ما تزال بصمات الفقيد حسين عوض حاضرة تزكو بعبقها  وتتناسل بأثرها من خلال آلاف التلاميذ السياسيين الذين تأثروا بشخصيته الجاذبة وسلوكه المتميز وسمعته العطرة وقيمه الإخلاقية الرفيعة واختطوا طريقه واغترفوا من معارفه وساروا وما يزالون على دربه الواعى الطويل الممتلئ بالمنحنيات والتعرجات لكنها مصحوبة بالثبات ورسوخ القناعة ونقاء النوايا وصفاء الضمائر ووضوح الأهداف.
عانى الفقيد حسين من العديد من الأمراض وتغلب على بعضها بالعديد من العمليات الجراحية، فقد عانى من التهابات في الوركين ومتاعب في القلب وارتفاع في الضغط والسكر وآلام في الكلى، وفي كل مرة كان يتغلب على آلامه بالعلاج تارة وبالصبر والتفاؤل تارة أخرى،   . . . . قال لي ابنه ماجد عندما اتصلت به للتعزية بأنه عرض على أبيه السفر إلى أي بلد للعلاج لكنه كان دائما يرد بأنه لن يغادر عدن وهي تحت الحصار ولن يسافر وبقية الجرحى والمصابين يتألمون فلا يجدون من يعالجهم، وكما نعلم فإن الكثير من الوفيات في عدن والضالع وغيرهما من المناطق المحاصرة من قبل ميليشيات الحوافش سببها غياب الرعاية الصحية واختفاء الأدوية التي نهبتها المليشيات وتدمير المنشآت الطبية مما ضاعف من حالات الوفيات بين أصحاب الأمراض المستعصية وما حسين إلا واحد من هؤلاء.
إنني بهذا المصاب الجلل أعزي نفسي وأعزي الشاب ماجد حسين عوض وإخوانه وأخواته ووالدتهم العزيزة، والإخوة عبد القوي ومحسن ومحمد عوض عبد القوي وأولادهم والأخوين علي وحسين محمد عبد الرحمن وأولادهم وكافة أفراد أسرهم وكل آل السعيدي واليزيدي عموما كما أعزي الزملاء دكتور عبد الرحمن عمر السقاف الأمين العام للحزب الاشتراكي ونوابه ويحي منصور أبو إصبع رئيس اللجنة المركزية ونوابه وكل أعضاء الأمانة العامة والمكتب السياسي وكل قيادات وقواعد الحزب الاشتراكي في كل من لحج وعدن وأبين وإلى كل نشطاء الثورة الجنوبية السلمية ومكوناتها السياسية وأسأل الله العلي القدير أن يمن علينا وعليهم وعلى أهل الفقيد وذويه وكل رفاقه وأحبابه وأصدقائه وتلاميذه ومريديه بالصبر والسلوان وأن يتغمد الفقيد بواسع المغفرة والرحمة والجنة والرضوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى