كتاب عدن

​تكليف الزنداني أول قرار يُحسب للشرعية لا عليها

اللواء سعيد الحريري

 

​في لحظةٍ وطنيةٍ بالغة التعقيد، تأتي بعض القرارات لا بوصفها إجراءً إداريًا عابرًا، بل كإشارة سياسية على أن هناك من بدأ يلتقط حجم المأساة، ويدرك أن اليمن لم تعد تحتمل مزيدًا من العبث. ويُعد تعيين الدكتور شايع محسن الزنداني رئيسًا للحكومة واحدًا من تلك القرارات القليلة التي يمكن وصفها – دون مبالغة – بأنها خطوة في الاتجاه الصحيح.

هذا القرار، إن أُحسن استثماره، لا يمثل تغييرًا في الأسماء فحسب، بل يفتح نافذة أمل لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، ولمبدأ الكفاءة في تولي المسؤولية العامة، بعد سنواتٍ طغت فيها المحاصصة، وغابت فيها المعايير، وتحوّلت فيها مؤسسات الدولة إلى ساحات لتقاسم النفوذ لا لخدمة المواطن.

الدكتور الزنداني يُنظر إليه كشخصية أكاديمية وإدارية بعيدة نسبيًا عن صراعات الاصطفاف الحاد، ولم تُسجّل عليه ممارسات فساد أو ارتهان لمشاريع ضيقة، وهو ما يمنحه رصيدًا أخلاقيًا وسياسيًا أوليًا، تحتاجه الحكومة اليوم قبل أي شيء آخر. فاليمن لا تعاني فقط من حرب وانقسام، بل من أزمة ثقة عميقة بين المواطن والسلطة.

غير أن أهمية هذا التعيين لا تكمن في الشخص وحده، بل في ما إذا كانت الشرعية مستعدة فعلًا لمنحه الصلاحيات الكاملة، وحمايته من مراكز القوى، وتمكينه من تشكيل حكومة كفاءات وطنية لا حكومة تسويات هشة. فكم من رئيس حكومة سابق أُحرق سياسيًا لأنه وُضع في الواجهة، بينما القرار الحقيقي ظل رهينة غرف مغلقة؟

اليمنيون اليوم لا ينتظرون خطابات منمقة، بل أفعالًا ملموسة: تحسينًا للخدمات، ضبطًا للإيرادات، وقفًا للعبث المالي، وإدارةً جادة لمعركة استعادة الدولة. وإذا كان تعيين الدكتور الزنداني هو أول قرار صحيح، فإن استكمال الطريق الصحيح يتطلب قرارات شجاعة تليه، تبدأ من احترام القانون، ولا تنتهي عند محاسبة الفاسدين كائنًا من كانوا.

باختصار، هذا التعيين خطوة إيجابية نادرة في مسار مرتبك، لكنها ستظل بلا قيمة إن لم تتحول إلى بداية حقيقية لتصحيح المسار، لا مجرد محاولة تجميلية لواقع مأزوم. الكرة اليوم في ملعب الشرعية: إما أن تثبت أنها تعلّمت من أخطائها، أو تضيف خيبة جديدة إلى سجلٍ مثقلٍ بالإخفاقات.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى