شؤون محلية

اليمن ما بعد الحوار الجنوبي الجنوبي في الرياض ..دولة أو أكثر؟

اليمن ما بعد الحوار الجنوبي الجنوبي في الرياض ..دولة أو أكثر؟

قراءة تحليلية- جمال حيدره

تجري في العاصمة السعودية الرياض الترتيبات النهائية لاستضافة الحوار الجنوبي الجنوبي المزمع عقده قريبا في الرياض، وذلك بعد أن استدعت المملكة ما يقارب ١٠٠٠ شخصية من مختلف المشارب الاجتماعية والأطياف السياسية والإعلامية والثقافية والعسكرية والاقتصادية الجنوبية، علما أن هذا المؤتمر هو الأول من نوعه من حيث مكان انعقاده ومكانة الدولة التي ترعاه، ونظر لذلك يذهب البعض إلى تفسير تلك الرعاية في سياق الاعتراف الضمني بدولة الجنوب.

وبرغم كثرة ما تطفو من روايات على سطح المشهد حول ما يمكن أن يتمخض عنه مؤتمر الرياض الخاص بالقضية الجنوبية، إلا أنني لا أجد حتى الآن ما هو أكثر واقعية من سيناريوهين سوف أتطرق لهما في هذه القراءة التي استندت فيها على مجموعة من الحيثيات والمعطيات القديمة والحديثة، ومن المهم أن نستبق ذكرها بالاتفاق على مجموعة من المسميات للأطراف الثلاثة الرئيسية في الأزمة اليمنية والمتمثلة بالتالي:

١- الجنوبيون: كل التشكيلات العسكرية التي تتواجد في الجنوب (المهرة، حضرموت، شبوة، سقطرى، عدن، أبين، لحج، الضالع) وحواملها السياسية وحواضنها الاجتماعية.

٢-الحوثيون: كل التشكيلات العسكرية التي تتواجد في المحافظات الشمالية باستثناء أجزاء من محافظة تعز ومحافظة مأرب، والساحل الغربي، وحواملها السياسية وحواضنها الاجتماعية.

٣-الشرعية: كل التشكيلات العسكرية التي تتواجد في مديرية المخا وتتبع طارق صالح، والتي تتواجد في اجزاء من تعز ومأرب، وتتبع حزب الإصلاح، وقوات درع الوطن التي تتبع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.

الحثيثات والمعطيات المنطقية لاستبعاد خيارات الوحدة أو الأقاليم الستة

هناك مجموعة من الحيثيات والمعطيات تسهل لكل قارىء تفسير ما حدث في آخر ٢٠ يوما من العام ٢٠٢٥م بداية بالتحرك العسكري نحو حضرموت ومرورا بطرد الإمارات، وإنهاء المجلس الانتقالي الجنوبي، وليس انتهاءا بتوافد القوافل الجنوبية نحو السعودية، والمطالبة باستعادة دولة الجنوب من داخل الرياض، وذات الحيثيات والمعطيات تستبعد خيارات أخرى أهمها الوحدة أو الأقاليم الستة:

١-واقع المسيطرين على الأرض( جنوبيون وحوثيون) واستحالة أن تجمعهما أرض واحدة، أو تستوعبهما صيغ مشتركة للعيش الآن أو حتى بعد ١٠٠٠ عام.

٢-استحالة أن يتنازل أي منهما عن ما يراه حقا أصيلا له، وهذا يقلص من فرص نجاح أي حلول تذهب باتجاه الستة الأقاليم التي تعتبر واحدة من أبرز المرجعيات الثلاث التي تتمسك بها الشرعية.

٣-وإذا ما افترضنا جدلا أن الجنوبيين قد وافقوا على أن يكونوا إقليمين في اطار يمن فدرالي من ستة أقاليم، فلن يقبل الحوثيون أن يسلموا كل ما بين أيدهم، ويعودوا إلى صعدة تحت سقف أقليم أزال الذي يضم (صنعاء وعمران وصعدة وذمار).

٤-وليس من الوارد وفقا لعشر سنوات من الحرب أن يسلم الحوثيون السلاح ومؤسسات الدولة، ويتحرروا من الأفكار والأيدولوجيات التي تفرض أحقيتهم بالحكم.

٥-ومن المستبعد كذلك أن يقبلوا بمن كانوا يسمونهم مرتزقة العدوان أن يحكموا اليمن الاتحادي أو حتى واحدة من المحافظات التي تقع حتى اللحظة تحت سيطرتهم، هذا إذا استطاعوا أصلا أن ينسوا ثائرهم، وهم من تشكل وعيهم داخل هذا المناخ من اللا تسامح مع ….

٦-الشرعية التي تعتمد عسكريا بدرجة رئيسية على السعودية هي الحلقة الأضعف هنا، يتم النظر إليها داخليا وخارجيا كعبء كبير على المرحلة، نظرا لعدم قدرتها على احراز أي تقدم سياسي أو عسكري خارج جغرافيتها الضيقة جدا، وحالتها بكل الاحوال ميؤوسة وفق تقديرات الأغلبية جنوبا وشمالا.

٧-وحدة مركزية مستبعدة تماما لنفس الاعتبارات التي تقلص فرص الأقاليم، أضف إليها أن الحوثيين لن يقبلوا أن ينازعهم أحد على الحكم في الشمال، وفوق ذلك يريدون ٧٠٪؜ من نفط حضرموت وشبوة على أن يعود البنك المركزي إلى صنعاء، وهناك متطلبات أخرى وهي كثيرة وتعجيزية.

٨-المشكلة الأكبر ليست في مطالب الجنوبيين، وليست في تبايناتهم، إنما في صعوبة ايجاد صيغ عيش مشتركة بين الحوثيين والجنوبيين والشرعية، وهذا هو جوهر الأزمة منذ العام ١٩٩٤م في الجنوب، ومنذ العام ٢٠١٤م في الشمال.

ما هي التوقعات؟

بلا شك أن حرب اليمن تدخل ضمن قائمة الحروب الطويلة والمعقدة، لذلك وطبقا للأحداث الأخيرة أرجح أن عددا من دول العالم المهتمة بالملف اليمني، وأولها دول الخليج قد توصلت إلى قناعة بإن الأزمة اليمنية- بكل أبعادها السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية- لن تحل إلا بمعالجة القضية الجنوبية، لكن لا أدري هل يمكن أن تكون رؤيتها للحل متقدمة وعلى أساس جذري وشاملة وبما يتسق مع قضية سياسية وعادلة، تمتد على أرض وتاريخ وهوية وشعب، وثروات، وإجمالا ما أراه كاسنتناج لا يزيد عن سيناريوهين.

السيناريوهان المتوقعة

١- سيناريو الثلاثة الأقاليم

وهو عبارة عن يمن اتحادي بثلاثة أقاليم تتوزع على النحو التالي:-
الأقليم الشرقي ويضم (شبوة وحضرموت والمهرة، وسقطرى وأجزاء من مأرب)

الأقليم الغربي ويضم (أبين وأجزاء من البيضاء وعدن ولحج والضالع والساحل الغربي وأجزاء من تعز )

الأقليم الشمالي ويضم كل المحافظات الواقعة حتى الآن تحت سيطرة الحوثيين.

١-سيناريو الدولتين

اقامة دولتين تحت مسمى يمن جنوبي، ويمن شمالي، قد ربما يكون التقسيم وفق حدود ما قبل ١٩٩٠م واحتمال كبير يكون التقسيم وفق الواقع العسكري الحالي بين الشرعية والحوثيين، بحيث يضاف إلى الجنوب من جهة الشرق أجزاء من مأرب، ويضاف له من الغرب المخا وأجزاء من تعز، وهذه السيناريو قد تحدث عنه سابقا رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي، واستبعد أن يكون حديث الزبيدي عفويا، بل أرجح أن يكون الزبيدي قد ساهم دون أن يعلم في تهيئة الشارع لهذا الخيار.

جيران اليمن والفائدة المرجوة

يرتبط اليمن من جهة الشمال بالسعودية، ومن جهة الشرق بسلطنة عمان، ولذلك يهم الدولتان أكثر من أي بلد آخر في المنطقة والعالم أستقرار اليمن، لأن ذلك بالضرورة وثيق الصلة بأمنهما القومي، فضلا عن بناء علاقات حسن جوار وما توفره تلك العلاقة من فرص اقتصادية واستثماريه كبيرة، وعلى هذا الأساس تضمن الدولتان المحادتان لليمن مصالحهما، ويقطعان كذلك الطريق أمام أي دول أخرى عربية كانت أو أجنبية.

أما ما سوف يستفيد منه الحوثيون فيتمثل في الاعتراف بهم كدولة، ورفع العقوبات الأمريكية والأوروبية عليهم، وحشد مؤتمرات دولية لإعادة إعمار دولتهم، على أن يلتزموا بحسن الجوار في اجواء من العلاقات الأخوية .

اما ما سوف يستفيد منه الجنوبيون بعد استقطاع جغرافيا جديدة، فيتمثل في عودة دولتهم والاعتراف بها، وتقديم الدعم السعودي لهم، لتطبيع الحياة، واستئناف الانتاج النفطي، على أن يلتزموا بحسن الجوار وتطوير علاقاتهم مع جيرانهم في مسقط وصنعاء، على أن التخوف الذي قد يصيب بعض الجنوبيين يتمثل في الشق القانوني، ذلك أن اعتماد أي من الخيارين يعني بالضرورة تأييده عربيا ودوليا، وتعميده في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو ما قد يسقط قانونيا حدود ١٩٩٠م فضلا عن تبعات التغيرات الديموغرافية الجديدة، وما بتترتب عليها من استحقاقات سياسية.

وبكل الأحوال تبقى كل هذه السيناريوهات مجرد توقعات غير مسنودة بأي معلومات دقيقة، لكن الأكيد أن الرياض لن تترك الأزمة اليمنية بلا حلول، وليس من مصلحتها الاستمرار في اللا حرب واللا سلم، وأعتقد جازما أن ما بعد الحوار الجنوبي الجنوبي في الرياض ليس كما قبله.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى