كتاب عدن

تحقيق الفضيلة بوسائل غير فاضلة



ثمة دولٌ عربية تعيش تحت المظلّة الأمنية الأمريكية، ومع ذلك تنخرط فيما بينها قي سباق نفوذ محموم؛ تتفق تكتيكياً في مكان ثم تختلف بعنف في أماكن أخرى.

والأدهى أن هذا التنافس لا يجري في عواصم بعيدة، بل في جغرافيا عربية قلباً وقالباً، عبر حروب باردة تُدار بالوكالة، وتغذية نزاعات كان يُفترض أن تُعالج جذرياً بدلاً من إذكائها.

نزاعات تُبقي البلدان الهشّة في حالة خطفٍ دائم، بينما يتعاظم الإنفاق على التأثير الإعلامي، وتمويل الفاعلين المحليين، وتحريك الولاءات المؤقتة، بدل الاستثمار في بناء استقرار طويل الأمد.

وما يزيد المشهد بؤساً هو أن قوى إقليمية غير عربية تمدّ أذرعها بقوة في العمق العربي وتعيد تشكيل خرائط النفوذ. ومع ذلك، بدلاً من أن تتماسك الدول العربية في جبهة موحّدة لتكسر هذا التمدد الخارجي وتوقف انزلاق البلدان الشقيقة نحو الانهيار، يتحوّل بعضها إلى لاعب إضافي يفاقم التوترات الداخلية، لا إلى سند يرمّم الشروخ.

هكذا يصبح العالم العربي، بكل تناقضاته ومراكزه، ساحة يتقاطع فيها اللاعبون الكبار والإقليميون والعرب أنفسهم، ودون رؤية جامعة أو مشروع يضع حدّاً لفوضى النفوذ المتشابك.

وفي هذا المشهد يبقى طرف من بين دول العرب متربع عرش الحضور الإعلامي، وحشد القنوات والمنصات والمجموعات الإلكترونية، إضافة إلى شبكات القوى الناعمة والخشنة. والأعجب أن ما يحرمه على غيره، يعتبره ”حلالاً” عليه: تحالفات صلبة مع أمريكا، وعلاقة مع إسرائيل من خلف الستار، وتموضع خفي عبر ادوات، تُسوَّق كلها باعتبارها ضرورات أمنية وبراجماتية لخدمة “المشروع الإسلامي”. وعندما تُفتش في صلب هذا المشروع، تجد محوره فكرة التمكين؛ أي الاستيلاء على السلطة بأي ثمن، حتى لو كان تمزيق دول عربية وتخريبها.

و حين يتم تبرير وجود قاعدة أمريكية (هي الأكبر) في المنطقة أو العلاقة غير الرسمية مع إسرائيل، أو التضليل الإعلامي بدعوة خدمة المشروع الإسلامي، على طريقة خدمة الفضيلة بوسائل غير فاضلة، تتحول السياسة إلى حقل لا أخلاقي، والدين إلى أداة ميكيافيلية لشرعنة أهداف زائفة، فيما جوهر الصراع في العمق ليس سوى منافسة على النفوذ والسيطرة والتفوق.

المفارقة أيضاً أن الجميع ينطلق من فضاء جيوسياسي واحد وهويّة مشتركة، وإن اختلفت الحجج. لهذا يمكن طرح سؤال حادّ: هل نحن أمام أزمة في ضبط قواعد التنافس؟ أم أزمة أخلاق ووعي؟ أم أن الأمر مجرد أدوار وظيفية مفروضة على بعض الدول؟

وبينما يغرق العرب في صراعات داخلية، أو في تنافس بين دول عربية غنية تنمو و تبحث عن النفوذ وأخرى ضحية تعيش الفوضى، تكبر مأساة المنطقة وتبقى واشنطن اللاعب المستفيد (ومعها إسرائيل)، تُدير المشهد بأقل تكلفة ممكنة، مستندة إلى الانقسام المزمن وغياب أي مشروع عربي موحّد.

وهنا تظهر الخيبة الكبرى:
أن جزءاً من الشعوب العربية ما يزال، بدافع عقائدي أو بفعل التضليل، يقع في فخ الخطاب دون أن يدرك حقيقة الوقائع. كما تُساق نخبٌ كثيرة خلف الاصطفافات العفوية أو تُجرجرها المصالح، فتغيب عنها القدرة على قراءة المشهد كما هو، لا كما يُراد لها أن تراه.
أحمـــــــــــدعبداللاه

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى