“المرأة المثقفة” لهدى العطاس: انتحال الذكورة والكائن المعلّق

حظي كتاب “المرأة المثقفة في الرواية العربية..انتحال الذكورة وتحرير الجسد”للكاتبة الدكتورة بقراءة نقدية ضافية من قبل الشاعر والناقد السوري Ali Jazo. بدء من عتبات الكتاب بقراءة رائعة للوحة غلافه الذي اعتنت به الكاتبة في اختيارها. من ثم غاصت قراءته في متن الكتاب عبر بانوراما تحليلية شيقة وعميقة.
اتمنى لكم قراءة ممتعة..
صدر حديثاً عن دار رياض الريّس للكتب والنشر – بيروت (2026) كتاب “المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد” للكاتبة والباحثة اليمنية هدى العطاس. يقدّم البحثُ قراءة نقدية جديدة لمفهوم المرأة المثقفة وحضورها الإشكالي والمقنّع في نماذج مختارة من الرواية العربية (إحدى عشرة رواية).
لا يتعامل هذا الكتاب البحثي مع صورة المرأة بوصفها كائنًا اجتماعيًا أو عاطفيًا فحسب، بل ينقلها إلى فضاء مركب تتقاطع فيه الثقافة مع الجسد، والمعرفة بالسلطة، والأنوثة بعوائق القيود الدينية والاجتماعية.
عن صورة الغلاف
يوازي غلاف كتاب “المرأة المثقفة في الرواية العربية” أطروحته النقدية ببعد بصري، فالصورة التجريدية الداكنة (لوحة سمير الصايغ: نعم ولا)، الخالية من الملامح الجندرية الواضحة، تحيل إلى فكرة الهوية الملتبسة التي تناقشها هدى العطاس، حيث تغدو المرأة المثقفة كائنًا معلقًا بين الجسد الذي هو بنية تحتية أساسية والمعرفة التي هي بنية فوقية، وبين الأنوثة التي هي المرونة والصعوبة ومتطلبات الشروط الثقافية المغرية والقامعة في آن. نجد في اللوحة المستلهمة من الحروفية شكلين متداخلين، الأول من تحت منبسط ثابت يشي بالجمود والقوة، والثاني فوقه مرن متموج يوحي بالتحول، الصعود والهبوط المتواليين.
لا يظهر في الغلاف جسد أنثوي واضح، ولا ملامح ذكورية مكتملة، بل شكل أقرب إلى القناع أو الظل، في إشارة إلى ما تضطر إليه المرأة المثقفة من إخفاء أو تحييد لجسدها كي تتمكن من العبور إلى فضاء الثقافة والسلطة الرمزية. هذا الإخفاء البصري يتقاطع مع ما يكشفه الكتاب من أن انتحال الذكورة لا يأتي بوصفه تحررًا كاملًا، بل بوصفه استراتيجية دفاع وحماية داخل نظام سردي وثقافي لا يعترف بسهولة بصوت المرأة.
كما يضفي اللون الأسود طابعًا من الصرامة والاختناق، يوحي بثقل القيود التي تحاصر الجسد الأنثوي، فيما يحضر العنوان بلونه الأحمر الصارخ بوصفه فعل اقتحام ورغبة وطموح، وكأن النص يعلن عن نفسه من داخل هذا الظل الكثيف. وبهذا، يتحول الغلاف إلى مدخل بصري موازٍ للمتن.
مفهوم المرأة المثقفة
تنطلق العطاس في كتابها من سؤال أساسي: كيف استطاعت المرأة المثقفة أن تشقّ طريقها داخل نص روائي تشكّلت بنيته التاريخية على مركزية ذكورية متعالية ومتسلطة؟ وتذهب في تحليلها إلى أن كثيرًا من الشخصيات النسائية المتعلمة لم تجد سبيلًا إلى الاعتراف السردي والثقافي إلا عبر ما تسميه «انتحال الذكورة»، أي تبنّي منظومة قيم وسلوكيات ولغة تُنسب تقليديًا إلى الرجل، الذي هو السيد الزوج والعاشق والأب في واحد موحد بلا تغيير، وهو يستمد قوة اللاتغيير هذه وثباتها المديد من جيل إلى جيل يستمدها من الدين والأعراف والتقاليد التي هي في جوهرها تشرع له سلطة مطلقة على “الرعية” من نساء هنّ ميراثه وعتاده وشرفه وموضع شهوته وضمان ملكه ونسله بلا انقطاع.
في هذا السياق، يحتل الجسد موقع النواة من الكتاب الثمرة. فالجسد الأنثوي، لا يُنظر إليه بوصفه معطى طبيعيًا، بل باعتباره عبئًا رمزيًا يهدد شرعية المرأة المثقفة. لذلك تلجأ هذه الشخصيات إلى تحييده أو إنكاره أو إعادة ترميزه، سعيًا إلى تحرير الذات عبر المعرفة، وهو يبدو تحريراً وهمياً قياساً إلى مآل هذه الشخصيات في الرواية والحياة سواء بسواء، فهذا التحرر يظل ملتبسًا؛ إذ يمنح المرأة موقعًا ثقافيًا متقدمًا، لكنه يضعها في حالة اغتراب عن جسدها وهويتها الأصلية.
تفتتح هدى العطّاس كتابها بتحديد مفهوم المرأة المثقفة، مميّزة بينها وبين المرأة المتعلّمة. فالتعليم، في نظرها، لا يعني بالضرورة امتلاك الوعي النقدي أو اتخاذ موقف فكري من الواقع. أما الثقافة فهي وعي، وسؤال، وقدرة على التفكير المستقل، وهو ما ينعكس في سلوك الشخصية الروائية ومواقفها من المجتمع والسلطة والذات. بهذا التحديد المفهومي تضع الباحثة أساسًا نظريًا لدراستها، يمنع الخلط ويضبط مسار التحليل.
ثم تنتقل إلى تتبّع تطوّر صورة المرأة في الرواية العربية، مبيّنة أن المرأة في المراحل الأولى من السرد العربي الحديث غالبًا ما ظهرت في أدوار تقليدية: الأم، الزوجة، الحبيبة، أو الضحية. ومع تطوّر الوعي الاجتماعي والثقافي، بدأت الرواية تمنح المرأة مساحة أوسع للتعبير عن ذاتها، وظهر نموذج المرأة المثقفة بوصفه نتاجًا لتحوّلات المجتمع العربي واحتكاكه بالحداثة.
تركّز العطّاس على أن حضور المرأة المثقفة في الرواية ليس حضورًا شكليًا، بل هو حضور إشكالي، إذ غالبًا ما تُوضع هذه الشخصية في مواجهة مع منظومة القيم السائدة. فالمرأة المثقفة تعاني من صراع داخلي بين وعيها بذاتها ورغبتها في الحرية، وبين القيود الاجتماعية التي تحاصرها. وتبيّن الدراسة أن هذا الصراع يشكّل عنصرًا محوريًا في بناء الشخصية الروائية، ويمنح النص بعدًا فكريًا ونفسيًا.
نساء رائدات
حضور النساء في المجال الاجتماعي والثقافي العربي، خارج الأنماط المعتادة المفروضة عليهن، ليس جديداً ، ففي بدايات القرن العشرين حتى أواسطه شاركت النساء في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية سواء عبر الكتابة أو الالتزام السياسي والنهضوي ومناقشة أحكام الدين من خلال التركيز على ضرورة تعليم الفتيات وحق النساء في المشاركة السياسية وجدارتهن تولي أعمال ومهام كانت حكراً على الرجال. كذلك بادرت أخريات إلى إنشاء صالونات أدبية مثل صالون مي زيادة . ومن هؤلاء تذكر العطاس هدى شعراوي (1879ـ 1947) رائدة حركة تحرير النساء في مصر التي دعت إلى إنشاء جمعية مستقلة تدعم حقوق النساء المصريات وتناولت بجرأة موضوع الحجاب، ونبوية موسى 1886ـ 1951 أول مصرية تحصل على شهادة البكالوريا وأول امرأة تعمل مديرة لمدرسة ابتدائية وهي التي رفضت أن تحصل المرأة العاملة على نصف راتب الرجل، وماري عجمي 1888ـ 1965 التي أسست النادي النسائي في دمشق وأصدرت مجلة “العروس” في الاسكندرية عام 1910، ومي زيادة 1886ـ 1941 التي عملت في القاهرة بتدريس اللغتين الفرنسية والإنكليزية وأنشأت صالونها الأدبي المشهور، ونازك العابد 1898ـ 1959 التي أسست جمعيات خيرية وكافحت من أجل تعليم المرأة وتمكينها، وعنبرة سلام الخالدي (1897ـ 1986) مترجمة كل من الإلياذة والأوديسة، وسواهنّ.
نماذج روائية
تستعرض العطاس نماذج متعددة من الرواية العربية، منها على سبيل المثال “طواحين بيروت” لتوفيق يوسف عواد، و”أنا حرة” لإحسان عبد القدوس، و”فرج” لرضوى عاشور، “اسمه الغرام” لعلوية صبح، و”امرأتان” لهناء حجازي، تظهر في هذه النماذج وسواها المرأة العربية ـ المثقفة في صورة الكاتبة أو الباحثة أو المناضلة السياسية، شخصية صارمة، عقلانية، تتعامل مع الجسد بوصفه مساحة يجب ضبطها لا الاحتفاء بها. وتكشف هذه النماذج عن مأزق مزدوج: فإما الخضوع لخطاب تقليدي يختزل المرأة في جسدها، أو التمكين المعرفي المشروط بالتخلّي عن الأنوثة.
كما تتناول الباحثة علاقة المرأة المثقفة بالسلطة، سواء كانت سلطة الرجل، أو الأسرة، أو المجتمع، أو حتى السلطة السياسية. وتظهر الرواية العربية – بحسب تحليل العطّاس – أن المرأة المثقفة غالبًا ما تُنظر إليها بعين الشك والريبة، لأنها تكسر الصورة التقليدية للمرأة المطيعة، وتسعى إلى امتلاك صوتها الخاص. وتكشف الروايات المدروسة عن أشكال متعددة من القمع، تتراوح بين التهميش الرمزي، والاضطهاد الاجتماعي، والعنف والحرمان من حق الاختيار.
وتولي الدراسة اهتمامًا خاصًا بموضوع الوعي والاغتراب، حيث ترى العطّاس أن الثقافة قد تتحوّل إلى عبء نفسي على المرأة الروائية الساردة. فالوعي يجعلها أكثر إدراكًا لتناقضات الواقع، وأكثر إحساسًا بالفجوة بينها وبين محيطها، ما يؤدي إلى شعورها بالعزلة والوحدة. غير أن هذا الاغتراب لا يُقدَّم دائمًا بوصفه هزيمة، بل قد يكون شكلًا من أشكال المقاومة الصامتة.
من الجوانب المهمة في الكتاب تحليل البنية السردية التي تُقدَّم من خلالها شخصية المرأة المثقفة. تشير العطّاس إلى أن الرواية غالبًا ما تعتمد تقنيات مثل السرد الذاتي، والمونولوج الداخلي، وتيار الوعي، لإبراز العمق النفسي والفكري لهذه الشخصية. وتُسهم هذه التقنيات في نقل صوت المرأة من الهامش إلى المركز، ومنحها سلطة الحكي بعد أن كانت موضوعًا له.
كما تناقش الدراسة الفارق بين صورة المرأة المثقفة في روايات الكتّاب الرجال والكاتبات النساء. فبينما قد يقع بعض الكتّاب في إعادة إنتاج رؤية نمطية، حتى عند تقديم امرأة مثقفة، تميل الكاتبات إلى رسم شخصيات نسائية أكثر تعقيدًا وصدقًا، نابعة من تجربة معيشة ومعاناة حقيقية. ومع ذلك تؤكد العطّاس أن هذا التمايز ليس مطلقًا، إذ توجد نماذج ناجحة لدى الطرفين.
وتخلص الباحثة إلى أن صورة المرأة المثقفة في الرواية العربية تعكس حالة من التذبذب بين التحرّر والتقييد. فهي شخصية واعية ومتمرّدة في كثير من الأحيان، لكنها تظل محكومة بسياق اجتماعي وثقافي يحدّ من فاعليتها. ومع ذلك ترى العطّاس أن مجرد حضور هذه الشخصية في الرواية، وطرح أسئلتها الوجودية والفكرية، يُعدّ خطوة متقدمة في مسار السرد العربي.
أهمية الكتاب
يقدّم كتاب «المرأة المثقفة في الرواية العربية» قراءة نقدية واعية لتحوّلات صورة المرأة في السرد العربي، مركزًا على البعد الثقافي والفكري للشخصية النسائية. وتنجح هدى العطّاس في الكشف عن تعقيدات هذه الصورة، مبيّنة أن المرأة المثقفة ليست نموذجًا مثاليًا أو مكتملًا، بل ذات قلقة، متسائلة، تعيش صراعها داخل النص كما تعيشه في الواقع. وبذلك يشكّل الكتاب إضافة نوعية إلى النقد النسوي العربي، ويفتح آفاقًا جديدة لدراسة العلاقة بين المرأة، والثقافة، والرواية.
أهمية هذا الكتاب لا تكمن في موضوعه فحسب، بل في منهجه أيضًا؛ إذ يزاوج بين النقد النسوي والتحليل الثقافي والنفسي، ويقارب الرواية العربية بوصفها حقلًا للصراع الرمزي لا مجرد فضاء للكتابة الأدبية. وعند مقارنته بكتب وأبحاث أخرى تناولت صورة المرأة أو خطاب الجسد، يتميّز كتاب هدى العطاس بتركيزه على المرأة المثقفة تحديدًا، وبقراءته لعلاقتها بالجسد لا كقضية تحرر نهائي، بل كتفاوض عسير مع السلطة الذكورية.
بهذا المعنى، يشكّل الكتاب إضافة لافتة إلى المكتبة النقدية العربية، ويفتح بابًا جديدًا لإعادة التفكير في مآلات المرأة واقعاً وتخيلاً كما بدت في نماذج من الرواية العربية، لا بوصفها ضحية أو أيقونة، بل بوصفها فاعلًا ثقافيًا يسعى إلى كتابة ذاته في مواجهة بنية سلطوية ذكورية لم تزل تفرض شروطها القاسية العمياء.المدن



