تخمة ملفات “إبستين”

شادي لويس:
في زمن ما بعد الحقيقة والتزييف العميق، تعد الحقائق عرضاً من الدرجة الثانية أو الثالثة في روتين السياسة اليومية. لم يعد الحجب أو المحو هو أداة التغييب، بل العكس، صار الإغراق بالبياتات هو الوسيلة المعتمدة للتشويش.
أخيراً، تفرج السلطات الأميركية عن ملايين الوثائق من ملفات إبستين، ثلاثة ملايين صفحة و180 ألف صورة بالإضافة إلى 2000 فيديو. العدد الهائل من المستندات المتخمة باللغو والثرثرات عديمة القيمة تتحول إلى متاهة مظلمة، الكثير من الأسماء تم حذفها من الرسائل لإخفاء هوية الضحايا، وربما لأسباب أخرى. في واحد من الرسائل الإلكترونية، يخبر إبستين اللورد بيتر ماندلسون، وهو من كان الرجل الثاني في حكومة العمال البريطانية بين عامي 2009 و2010 أن صندوق بريده ربما يكون مخترقاً. لا يكتب إبستين عادة ما يدينه في مراسلاته، وهو كان يعرف أن بريده على الأغلب خاضع للمراقبة، مراسلوه هم من يقعون أحياناً في ذلك الخطأ.
على الأغلب، لن يفضي التنقيب في الصندوق الأسود لنخبة العالم إلى الكثير، عدا فضائح للعائلات الملكية في القارة العجوز، تصلح لصحافة التابلويد وأعمدة النميمة في طبعات نهاية الأسبوع. أميرة سابقة، هي سارة فيرغسون، تتسول 20 ألف دولار، وتدعو إبستين أخاً لها في رسالة، وفي الثانية تطلب منه الزواج، بينما نرى صورة لطليقها، الأمير أندرو الذي جرد من ألقابه الملكية بالفعل، وهو جاثٍ على أربع فوق شابة حجب وجهها لحماية خصوصيتها. بالطبع، بضع رؤوس متوسطة القيمة ستطير، اللورد ماندلسون كان أولهم، حيث أجبر على الاستقالة من مجلس اللوردات في اليوم نفسه، وفتحت الشرطة تحقيقاً في تسريبه لقرارات حكومية لصالح إبستين. الزوجان كلينتون أجبرا على المثول أمام الكونغرس للإدلاء بشهادتهما، وربما ينالا بعض التوبيخ. لكن هذه ستكون نهاية الأمر.
المعضلة أن الشبكة المعقدة بالسياسة العابرة للحدود الوطنية من علاقات رأسالمال، لا تخرق القانون بالضرورة، ببساطة لأنها من تضعه بالأساس، وكونه مصمماً على مقاس مصالحها. في المحصلة الأخيرة، تصور جرائم إبستين الجنسية على أنها مجرد ذنوب فردية تتعلق به وبشريكته، وقد أدينا بسببها وانتهى الأمر، أما أخطاء المقربين منه فتحسب في خانة سوء التقدير وحسن النية. البنية التي سمحت بتلك الجرائم لعقود وشاركت فيها وتواطأت عليها، تبقى على حالها، متماسكة وتعمل بكفاءة، وذلك بعد التخلص من الأفراد الذي يشكلون عبئاً عليها.
يحتفي ترامب بإعلان براءته، بينما يتداول جمهوره صور مزيفة بشكل مفضوح، تظهر عمدة نيويورك زهران ممداني طفلاً رضيعاً تحمله أمه إلى جوار بيل كلينتون وإبستين. تقدم الصورة تغذية ذاتية للكراهية التي يحملها أنصار ترامب تجاه الحزب الديمقراطي، أما صور ترامب الحقيقية إلى جانب الرجل المدان بجرائم جنسية فلا تثير قلقهم. في الحقيقة، لن يبالي قطاع معتبر من أنصار “ماغا” لو كان رئيسهم متورطاً، فهم ينتشون بتلك الفحولة الخشنة والمتعدية التي يمثلها، سواء في جزيرة إبستين أو على مسرح السياسة الدولية.
ينبش الجميع عن الأسماء التي تخصهم، من مصر تظهر أسماء وائل غنيم ووزير الخارجية السابق أحمد أبو الغيط بشكل عابر في الرسائل، لكن من دون أي علاقة لهما بالرجل، لكن هذا لا يهم، الهوس بالفضائح يستلذ لعبة تلويث الجميع. تعميم العار ستارة دخان أخرى تعمل على تمييع الإدانة وتفريغها من أي معنى. أبواق السلطة المصرية الموزعة في أركان السوشيال ميديا، تروج إلى أن الملفات المنشورة تشير إلى نزاهة الرئيس السيسي. هكذا تستطيع رسائل إبستين إثبات براءة الجميع وإدانتهم بالقدر نفسه.
بعد الفورة الأولى، ستقود تخمة الوثائق، المزيف منها والأصلي والمعالجة جزئياً، إلى حالة من أعياء البيانات، وبعدها ستتوجه أنظار الجميع نحو فضائح جديدة، لا تكشف الفساد بقدر مع ترغمنا من فرط التكرار على التطبيع معه. المدن



