مقالات

الملف اليمني: كلفة مفتوحة في حسابات رؤية 2030 السعودية


مختار الدبابي

استجابت الإمارات لرغبة السعودية في الانسحاب من اليمن، وأنهت كل التزاماتها العسكرية والأمنية والمالية والإنسانية طوعيا. بدا أن المملكة حققت مكسبًا مهمًا، وأظهرت أنها صاحبة القرار الإقليمي في الملف الذي لا يزال مفتوحًا في وجهها منذ أولى عمليات تحالف دعم الشرعية في عام 2015، ويثير قلقًا لديها.

ومردّ هذا القلق أن الوضع يراوح مكانه، خاصة أن الأهداف التي وُضعت لهذا التدخل لا تزال معلّقة، مثل استعادة الحكومة الشرعية في اليمن، حيث ما زال البلد مقسّمًا بين كيانين: الحوثيون من جهة، ويتبعون إيران، ومن جهة أخرى الحكومة المعترف بها دوليًا، التي تعيش على وقع خلافات كبيرة وتضارب أجندات مكوّناتها.

كما أن هدف مكافحة الإرهاب والتطرف لا يبدو أنه حقق نتائج ذات قيمة، خاصة مع انسحاب الإمارات من مناطق المواجهة مع القاعدة، وانكفاء المجاميع الجنوبية التي درّبتها واستفادة التنظيم من حالة الفراغ لتنفيذ عمليات ولو محدودة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى هدف تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر، حيث يتحكّم الحوثيون في الجانب الأهم منه. فيما يظل هدف تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اليمني أمرًا معقدًا، رغم الإنفاق السعودي المتزايد.

ومع تقدم الوقت، يصبح الملف اليمني أشبه بالدوران في الفراغ، ذلك أن لا أفق واضحًا لنهاية الرعاية السعودية المباشرة للمرحلة الانتقالية التي باشرتها مع خروج الإمارات، وما قبل ذلك منذ مؤتمر الرياض الأول في عام 2019، الذي غرق في التفاصيل والترضيات، وتعرّض لصدمة قوية في الأزمة الأخيرة أعادته إلى مربع الانطلاق.

التحدي الأول يتعلق أساسًا بكيفية بناء مؤسسات “شرعية” يمنية مبنية على التناقضات السياسية والعسكرية، وتحتكم إلى منطق الاحتواء، واستمرارها متأتٍّ فقط من ضغوط السعودية عليها. فكيف سيكون حال هذه المؤسسات إن رفعت المملكة يدها يومًا عن اليمن، وطلبت منها أن تباشر مهامها؟ لولا الضغوط السعودية لتشكّلت حكومات انفصالية في حضرموت وعدن والمهرة، طبعًا مع حكومة صنعاء الانفصالية التي يديرها الحوثيون. كم من الوقت ستتولى فيه السعودية رعاية منظومة غير متآلفة؟ وهل إن تشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني سينهي الخلافات من خلال التمكين لنظام المحاصصة والترضيات الذي يمثل عصب هذه “الشرعية”؟

وتشكّلت الجمعة حكومة الزنداني من أربعة وثلاثين وزيرًا، عدا عن المناصب الاستشارية والإدارية الملحقة بالوزارات، وهو أمر انتقدته عدة جهات يمنية، ورأت فيه ترفًا سياسيّا لا تحتمله القدرات المالية للسلطة الشرعية المعتمدة بشكل شبه كامل على المساعدات الخارجية، وأساسًا على التمويل السعودي.

ورأت تلك الجهات أن الحكومة المكلفة لا تحتاج، في أداء مهامها الإدارية والخدمية بالأساس، إلى هذا العدد الكبير من الوزراء ومساعديهم، بل إن توسيع نطاق الحكومة قد يساهم في تشتيت قرارها والحدّ من فاعليتها، فضلًا عن الأعباء المالية الإضافية التي ستتحملها السعودية من وراء ذلك.

وإذا كان تشكيل الحكومة قد تطلّب توسيع قاعدتها لتشمل تركيبتين حكوميتين أو أكثر في الحالات العادية، فكيف سيكون توحيد المؤسسة العسكرية وكذلك الأجهزة الأمنية؟ سيكون الأمر بمثابة استعراض في توزيع الوظائف/ الغنائم لم يحصل في أي مؤسسة عسكرية أو مدنية في دولة أخرى. وإذا قسّمنا المحاصصة في الوزارات على المؤسسة العسكرية فسنجد أن قيادة الجيش يُفترض أن تكون ممثلة لكل ألوان الطيف المؤثرة في “الشرعية”. ومن باب الترضيات سيتم تمكين الجنوبيين من نصيب في القيادة، وكذلك “العمالقة”، وحزب الإصلاح، والمؤتمريين، والحضارمة، وممثل عن المهرة، ثم تتسع القاعدة نزولًا لتصبح قيادة الجيش بحجم خمسة أو ستة هياكل قيادية متنافسة ومتعارضة بدلا من هيكل واحد قوي.

والأمر نفسه بالنسبة إلى وزارة الدفاع، حيث سيكون الوزير مجبرًا على اختيار خمسة أو ستة نواب لتأمين التوازن بين الشركاء، كما حصل في قيادة الجيش. ثمّ اتباع القياس نفسه، والالتزام بتوزيع الحصص عبر مختلف أجهزة الوزارة المركزية والوسطى والدنيا.

لكن المشكلة الأبرز تكمن في توليفة الوزارة: هل سيتم دمج القوات الجنوبية، وقوات العمالقة، وقوات الإصلاح، والقوات الحضرمية وغيرها ككيانات أم كأفراد؟ وكيف ستقارب السعودية قضية الجنوب؟ هل قيادات المجلس الانتقالي الموجودة في الرياض لديها نفوذ على الأرض يمكّنها من إنجاح مسار التوحيد، ولو بشكل مؤقت؟

هل سيحافظ الجنوبيون داخل القوات الحكومية على وجودهم ككيان واحد، ويرأسه قيادي عسكري جنوبي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى البقية؟ أم سيتم تذويب الكيانات العسكرية داخل المؤسسة الرسمية عبر قبول المنضوين تحتها كأفراد؟ وهل هذا ممكن واقعيًا، خاصة أن أعدادهم بالآلاف؟ أم أن المهم حاليًا هو التجميع وإظهار الوحدة، وليس مهمًا أن تنفجر التركيبة العسكرية لـ”الشرعية” مع أول اختبار، ليعود كل كيان إلى مظلته الأولى؟

والسؤال الأكثر صعوبة: كيف يمكن الجمع بين كيانات قبلية كانت قبل أسابيع قليلة متصارعة، وبينها عداوات وثارات كبيرة؟ كيف يمكن تجميع قوات النخبة الشبوانية أو النخبة الحضرمية مع المنتسبين للمنطقة العسكرية الأولى من جماعة حزب الإصلاح؟ هل ثمّة جهة ما تعتقد أن الطرفين المتناقضين يمكن أن يضعا اليد في اليد وتحت راية واحدة للتصدي لهجمات القاعدة، في وقت تتهم فيه أطراف بعينها بتوظيف ملف التنظيم المتشدد لتحقيق مكاسب سياسية؟

سيكون من الصعب على السعودية أن تتفرغ لهذه المهمة الكبرى، أي توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، في غياب أرضية يمنية جاهزة لها، وخاصة في غياب قيادة يمنية ذات مصداقية وتأثير على الأرض

وهل باستطاعة القيادة العسكرية أن تنقل الجنوبيين للعمل في مناطق شمالية تحت سيطرة “الشرعية”، ونقل الإصلاحيين للإشراف على قوات جنوبية في شبوة أو عدن؟

سيكون من الصعب على السعودية أن تتفرغ لهذه المهمة الكبرى، أي توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، في غياب أرضية يمنية جاهزة لها، وخاصة في غياب قيادة يمنية ذات مصداقية وتأثير على الأرض، وهو ما تفتقده القيادة الحالية التي تعمل من المنفى الاختياري. وقد تمتد هذه المهمة لوقت طويل، وتدفع إلى تهميش القضايا الحياتية لليمنيين، وترك الملفات الاقتصادية إلى وقت آخر.

وفي انتظار مهمة التجميع التي ستكون بمثابة معجزة، من سيدفع رواتب الجيش الكبير والقوات الأمنية مترامية الأطراف والمكوّنات؟ بالتأكيد هذه مهمة السعودية.

وجاء في تقرير لوكالة رويترز الجمعة أن الرياض تخصص نحو ثلاثة مليارات دولار على الأقل هذا العام لتغطية رواتب القوات اليمنية وموظفي الحكومة، وأضاف التقرير أن هذا المبلغ يشمل مليار دولار تقريبًا لرواتب المقاتلين الجنوبيين، التي كانت أبوظبي تتكفل بها في السابق.

وقال وزير الإعلام اليمني معمر الأرياني، في مقابلة مع الوكالة، إن السعودية تعاونت وأبدت استعدادها لدفع جميع الرواتب بالكامل، دون أن يُفصح عن المبلغ الإجمالي.

لكن، هل ستكتفي السعودية بدفع الرواتب فقط، أم أنها ستكون مجبرة، ضمن خطة التوحيد وإظهار القدرة على إدارة الملف وحدها ودون حاجة إلى شريكها السابق في تحالف دعم الشرعية، على الاستمرار في حل المشاكل العالقة والإنفاق بسخاء لحل أزمة الكهرباء، وخفض الأسعار، وتوفير المواد الغذائية، ولعب دور محوري في تخفيف الأزمة الإنسانية، وتعويض الدور الذي كانت تلعبه الإمارات على هذا المستوى، وهو دور كبير ووازن؟

صحيح أن بمقدور السعودية أن تنفق على اليمن حتى يتعافى، لكن إلى متى؟ وهل أن هذا الدور لن يؤثر على التزامات أخرى، خاصة في ظل رغبة رسمية في تنفيذ رؤية 2030 التي طرحها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ضمن إستراتيجية تهيئ السعودية لمرحلة ما بعد النفط؟ وتعاني المشاريع العملاقة التي تضمنتها هذه الإستراتيجية ركودًا واضحًا بسبب نزول أسعار النفط إلى مستوى دون انتظارات المملكة، ما دفع إلى خفض سقف التوقعات وإعطاء الأولوية لمشاريع دون أخرى.

وضخّ المليارات من أجل تأمين استقرار اليمن في أفق غير واضح سيكون له تأثير على ملف آخر ذي أهمية، وهو ملف التحضير لاستضافة مونديال كرة القدم لعام 2036، الذي تسعى المملكة لأن يكون أحسن دورة، ويتجاوز النجاحات الكبيرة التي حققتها قطر قبل أربع سنوات، وما قد يحققه المغرب من تميّز.

قيمة مونديال 2036 بالنسبة إلى السعودية أبعد مما سيحققه من عائدات وما سيجلبه من ملايين الزوار. إن الهدف هو بناء صورة جديدة للسعودية في أذهان العالم، تكون قادرة على محو الصورة القديمة التي تضخّم الأبعاد السلبية، وخاصة ما تعلّق بالتشدد والانغلاق، والكشف عن الوجه الجديد لبلد شرع في خيار الانفتاح على نطاق واسع، وغيّر من قوانينه وحراكه المجتمعي، ليظهر في صورة البلد المعتدل.

أيهما أولى بالإنفاق السخي؛ اليمن وأزماته، أم صورة السعودية الجديدة وتأسيس شبكة علاقات عامة تواجه الاتهامات والأحكام المسبقة، وبناء سردية مغايرة؟

كاتب وصحافي تونسي
صحيفة العرب

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى