استراتيجية “العمق الحيوي”: ظهير ميناء عدن كمعادلة صفرية في صراع النفوذ الملاحي الدولي الجمعة – 13 فبراير 2026م.

استراتيجية “العمق الحيوي”: ظهير ميناء عدن كمعادلة صفرية في صراع النفوذ الملاحي الدولي
الجمعة – 13 فبراير 2026م.
بقلم: د. محمد علوي أمزربه
“تشريح جيوسياسي واقتصادي لمستقبل عدن في خارطة اللوجستيات العالمية”
تفرض التحولات المتسارعة في خارطة النقل البحري العالمي واقعاً جديداً يتجاوز مفاهيم الإدارة التقليدية للموانئ؛ فالمعركة اليوم ليست مجرد إدارة أرصفة ورافعات، بل هي معركة سيادة استراتيجية في قلب أهم الممرات الملاحية. إن القناعة المهنية الراسخة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن “الميناء بلا ظهير هو رئة بلا هواء”. ففي مفهوم الموانئ الحديثة، انتقل الصراع من “الرصيف” إلى “العمق”؛ فالميناء الناجح لم يعد هو الذي يستقبل السفن فحسب، بل هو الذي يمتلك القدرة على امتصاص البضائع وتدويرها في ظهيره الجغرافي. إنها معادلة صفرية بامتياز: إما أن نمتلك الأرض خلف البحر، أو نتحول إلى مجرد محطة عبور باهتة في كشوفات الملاحة الدولية.
أولًا: تشريح الجغرافيا.. أين يقع “المنجم اللوجستي” الضائع لعدن؟
تمتلك عدن ميزة لا تتوفر لأي ميناء في المنطقة؛ وهي القرب المتناهي من خط الملاحة الدولي (أقل من 4 أميال بحرية)، وعمق طبيعي يصل إلى 16 مترًا. ولكن هذه الميزة تظل ناقصة ما لم تكتمل بالسيادة على “الظهير”. إننا نتحدث عن أربعة محاور جغرافية هي بمثابة “الأوردة والشرايين” لهذا العملاق:
1. محور (بير أحمد – الشعب): الرئة اللوجستية والميناء الجاف
هذا المحور هو “المفتاح الذهبي” لرفع الطاقة الاستيعابية دون بناء رصيف واحد إضافي. تحويل هذه المنطقة إلى “ميناء جاف” (Inland Container Depot) يعني نقل الاختناق المروري والجمركي من ضيق المدينة إلى سعة الصحراء.
* التحليل الفني: بقاء الحاوية في الميناء بانتظار التخليص يقلل من دورة السفن. بنقل العمليات إلى بير أحمد، نرفع كفاءة الأرصفة بنسبة 40%، ونحول الميناء إلى محطة “تفريغ سريع” والظهير إلى “منطقة فرز وتوزيع”.
2. محور (العريش – العلم): الظهير الصناعي والتصديري
هذه المساحات الشاسعة هي مكان “القيمة المضافة”. هنا تكمن فرصة إنشاء مناطق تصدير متخصصة (EPZs) تعتمد على تصنيع المواد الخام وإعادة التصدير (Re-export) للقرن الأفريقي ودول الجوار.
* التحليل الاستراتيجي: العالم لا يحترم الموانئ التي تستورد فقط. عدن يجب أن تُصنّع وتُغلّف وتُصدّر من ظهير “العلم”، ليكون الميناء هو المنفذ لمصانعنا، مما يخلق سيولة نقدية أجنبية مستدامة.
3. محور (كالتكس – المنصورة): القلب التشغيلي النابض
هذا هو الظهير التشغيلي المباشر، الذي يجب أن يتحول إلى منطقة خدمات لوجستية ذكية (Smart Logistics Zone). الربط الرقمي بين محطة كالتكس ومخازن المنصورة يقلل من تكاليف “الفرست مايل” (First Mile) ويجذب الخطوط الملاحية التي تبحث عن السرعة.
ثانيًا: التحليل المقارن.. صراع “الأرض” وموازين القوى الإقليمية
عندما نضع عدن في كفة الميزان أمام المنافسين، نكتشف أن الفارق ليس في البحر، بل في مدى “تغول” الميناء داخل اليابسة:
* تجربة جيبوتي (الاختراق القاري): جيبوتي لم تكتفِ بالأرصفة، بل استثمرت أكثر من 15 مليار دولار في ظهير يتجاوز 4800 هكتار. لقد ربطت الميناء بسكة حديد تصل لقلب إثيوبيا، محولةً ظهيرها إلى مخزن استراتيجي لـ 110 مليون مستهلك. النتيجة؟ اللوجستيات تساهم بـ 70% من ناتجها المحلي.
* ميناء جدة (السيادة اللوجستية): السعودية تنفذ رؤية 2030 عبر منطقة “الخمرة” اللوجستية بمساحة 2 مليون متر مربع. الهدف ليس التفريغ، بل جعل الميناء “مركز توزيع عالمي”. جدة اليوم ضمن الـ 10 الكبار عالمياً لأنها تمتلك ظهيراً يمتص أي حجم تجارة عالمية.
* العين السخنة (نموذج التكامل): في مصر، الميناء هو مجرد “بوابة” لمنطقة اقتصادية (SCZONE) تضم مئات المصانع العالمية. السفن تهرع للسخنة لأن هناك بضائع تُنتج في الظهير بانتظار الشحن فوراً، مما يقلل رحلات السفن الفارغة.
الخلاصة هنا: عدن تمتلك “الموقع الأفضل”، لكن المنافسين يمتلكون “الأرض الأجهز”.
ثالثًا: الضرورات المهنية.. كيف نسترد “السيادة اللوجستية”؟
إن استعادة عدن لمكانتها تتطلب “دستور عمل” لا يقبل التأجيل:
1. الممرات اللوجستية المعزولة (Dedicated Corridors): لا يمكن بناء ميناء عالمي بشاحنات تنافس المواطنين في شوارعهم. نحتاج لممرات شحن معزولة تربط كالتكس ببير أحمد والعريش، تضمن تدفق الحاويات في زمن لا يتجاوز 20 دقيقة.
2. التصنيع أو الاندثار: الميناء الذي لا يصنع في ظهيره هو ميناء “خادم” لاقتصاديات الغير. يجب توطين صناعات التجميع (Automotive assembly) وتعبئة الحبوب في بير أحمد والعلم، لخلق ألف من فرص عمل وتثبيت عدن كمركز صناعي.
3. التوأمة الرقمية (Port Community System): الربط الرقمي الشامل بين الرصيف والظهير. يجب أن يعرف المصنع في “العلم” موعد وصول مواده الخام قبل دخول السفينة للميناء بـ 24 ساعة.
رابعًا: التحليل الفني لـ “القيمة المضافة” (لماذا الظهير هو الثروة؟)
لغة الأرقام لا تجامل؛ الحاوية التي تمر عبر الميناء “ترانزيت” تدر عائداً بسيطاً. لكن ذات الحاوية إذا دخلت إلى مصنع في ظهير “بير أحمد”، وتمت معالجة محتواها أو تغليفه:
* تخلق 5 وظائف مباشرة و 12 وظيفة غير مباشرة.
* ترفع العائد المالي للدولة بنسبة 300% عبر الرسوم الجمركية والضريبية وخدمات النقل.
* تخفض تكلفة السلعة على المواطن المحلي بسبب وفرة العرض اللوجستي.
خاتمة: عدن.. القرار الصعب في اللحظة الحاسمة
إن التاريخ والجغرافيا قد منحا عدن كل شيء، لكن الإراده فقط هي من ستحسم النتيجة. نحن في سباق مع الزمن؛ فالموانئ المنافسة لا تنام، والخطوط الملاحية تبحث عن الميناء الذي يوفر لها “سلسلة توريد متكاملة”.
إن استعادة عدن لمكانتها ليس حبراً على ورق، بل هو استحقاق مهني يتطلب منا “قبضة حديدية” في إدارة الأرض خلف البحر. ظهير عدن (من المنصورة إلى العلم وبير أحمد) هو بترولنا الذي لا ينضب، وهو الضمانة الوحيدة لسيادتنا الاقتصادية في القرن الحادي والعشر…



