رسالة مفتوحة الأزمة الأوكرانية.. ليست أوكرانية

مارس 01, 2022
عدد المشاهدات 170
عدد التعليقات 0
رسالة مفتوحة
الأزمة الأوكرانية.. ليست أوكرانية
أولا: تاريخها:
يجب أنْ نتذكر أن الرغبة الروسية بعودة الاتحاد السوفيتي هي عقيدةراسخة في عقل كل روسي، وليست نتيجة طموحات، أو أهداف شخصية للرئيس بوتين.
أذكر أنني في إحدى زيارات العمل لمكتبنا في موسكو، حضرت كلمة للرئيسبوتين في أحد مراكز الأبحاث، في السنة الثانية لاستلامه الرئاسة، وقال فيها: “لقدأنجزنا تنظيم الاتحاد الروسي، ورسالتنا الرئيسة التالية أن نهتم بمحيطناالجيوسياسي”.
ويجب أن نتذكر أن أمريكا عندما أنشأت “الناتو” كان ذلك انطلاقا منرغبتها في احتواء روسيا، وعدم عودتها خصما موازيا لها.
وبالتالي يجب أن نتذكر أن كلا الطرفين يتصارعان حول النظام العالمي،فمن جهة تريد أمريكا الاستمرار في قيادة العالم. ومن جهة أخرى تتطلع روسيا إلىدورها في قيادة النظام العالمي – كما كان – بقيادة ثنائية: أمريكية، سوفيتية.
ثانيا: توصيفها؟
الحرب في أوكرانيا هي مجرد بداية لحرب أوروبية شاملة وليس أمريكية فيالمرحلة الأولى. وسوف تتحول قبل نهاية هذا العام إلى حرب عالمية: الحرب العالميةالثالثة.
يجب أن ندرك، دون أي شك، أن الصين هي إلى جانب الطرف الروسي كليا،وأنها تسير معه خطوة بخطوة، وأن الصين هي شريك فعلي له، منذ الدقيقة الأولى لبدايةالحرب.
لقد أتيح لي عام 1989 أن أشارك في ندوة في أحد أهم مراكز الأبحاثالأمريكية في واشنطن كان موضوعها “أين ستكون أمريكا عام 2020؟”، وكانت خلاصة ثلاثةأيام من الدراسات أن أمريكا ستواجه حينها خصما مقابلا لقوتها الاقتصادية هو الصين،وأن القوة الاقتصادية هي القوة الأهم في كل شيء، وأن على أمريكا أن تواجه هذاالتحدي بشتى الطرق.
القدرات النووية هي مجرد أسلحة ردع متبادلة (deterrents)،ولن تستعملها أي من الدول العديدة التي تملكها لأثرها التدميري المتبادل.
إن الحرب في أوكرانيا، وهي ليست عضوا في الناتو، ستبقى حربا أوروبية،وسلاح أمريكيا فيها هو العقوبات الاقتصادية الأحادية، التي اخترعتها أمريكا، وكانتذروتها في عهد ترامب. ومما لا شك فيه أن للعقوبات آثاراً إيجابية، وأخرى سلبية،وأنها تؤثر على الطرفين: المعاقِب والمعاقَب، وقد يكون الأثر الأكثر سوءاً علىالجانب المعاقِب، علما بأن أمريكا لن تدخل الحَرب على الأرض، وسيكون التأثيرالسلبي عليها محدوداً.
أرجو أن تتابعوا معي آثار عقوبات الطاقة: غازا ونفطا، ومَنْ سيكونالمُتضرر الأكبر فيها، ومَن سيكون المستفيد منها، كما أن علينا أن نتوقع فيالمقابل حرب عقوبات مضادة.
أوروبا ليست موحدة في الموقف. أما بريطانيا فهي الحليف المؤكدلأمريكا.
ثالثا: مراحلها:
انتظروا التحرك الصيني لضم تايوان بصورة نهائية وشاملة، كرد فعل لأياستفزاز متوقع أمريكي أو أوروبي لها. وربما يكون ذلك تجاوبا مع طلب من روسيا؛ منأجل تخفيف الضغط عسكريا عنها، واجتهادي أن الحرب على (أوكرانيا) هي مقدمة للحربعلى تايوان التي تعتبرها الصين جزءا تاريخيا منها، كما تعتبر روسيا أوكرانيا جزءاتاريخيا منها. وبالتالي سيدخل العالم في حرب بحر الصين.
كل هذا سيؤدي إلى ما أسميه “الحرب العالمية الثالثة”، وستكون حربامختلفة عن الحرب العالمية الثانية؛ بسبب طبيعة التطورات التقنية التي تستند إلىالقوة العسكرية عن بُعد وإلى الهجمات الإلكترونية، فلا يتوقع أحد أن تحتل جيوشالصين أمريكا، ولا أن تحتل جيوش أمريكا الصين.
رابعا: مستقبلها:
أمريكا ومعها بريطانيا، ومن جهة أخرى الصين ومعها روسيا، هما طَرَفَاقيادة هذه الحرب العالمية.
كما بدأت حرب أوكرانيا باستفزازات، فستبدأ حرب تايوان باستفزازات،وسيصبح العالم كله جزءا من هذه الحرب: اختياريا أو إجباريا، كلا حسب تطلعاته إلىتموضعه في النظام العالمي الجديد.
لقد أتيح لي أن أطلع على محاولات كثيرة؛ للوصول إلى اتفاق على التحولإلى نظامٍ عالمي جديد، وفشلت كلها، بما في ذلك محاولة كان قد طُلِبَ مني فيها أنأرتب وأدير لقاء قمة اقتصادية غير حكومية؛ لاقتراح صيغ اتفاق، تُرفع إلى مستوىالقرار السياسي، إلا أنها قد فشلت أيضا!
وقد أتيح لي قبل عشر سنوات، في مؤتمر صيني عالمي، حول الملكية الفكريةأنْ أجلس على العشاء (بصفة “أبوغزاله للملكية الفكرية” هي الأكبر على مستوىالعالم، وبحكم أننا نتميز بين المنافسين بوجود مكاتب لنا في الصين) أن أكون إلىجانب الوزير الصيني فسألته عن وجود تنسيقٍ دولي بين الصين وروسيا، فأجابني أن هنالك شراكة فيالتخطيط والتنفيذ”.
ليس هنالك مِن حل إلا بجلوس الأربعة الكِبار على طاولة التفاوض، ولنيتحقق ذلك إلا عند اضطرارهم له تحت الضغط، وتجنبا لمزيد من عواقب الحرب العالمية،وأخطارها.
إن انتظار قرارات دولية سواء من مجلس الأمن، أم من غيره، لن تُحققأكثر مما حققته تلك القرارات في فلسطين،إضافة إلى أن المتحاربَين الآن يحملون “حق الفيتو”.
سينشأ حتما نظام عالمي جديد، وبقيادة متعددة الأطراف، وستنشأاتفاقيات دولية جديدة، كما حصل بعد الحرب العالمية الثانية، وستتناول الصراع حولأمور أساسية، منها عولمة الإنترنت، وعولمة العملة الدولية، وسياسة العقوبات، ونظامعمل الأمم المتحدة، ومؤسساتها، وكارثة التلوث المناخي التي تهدد البشرية، وغيرها!
إن الاتفاق على قيام “نظام عالمي جديد” هو في مصلحة كل العالم، بدلامن نظام الغاب الحالي.
خامسا: آثارها:
في محيطنا الإقليمي إيران حَسَمَت موقفها المؤيد لروسيا، وتركيا بحكمعضويتها في الناتو هي في وضع صعب، أما العدو الصهيوني في فلسطين فهو في وضع أصعبمن وضعه مع المفاوضات النووية، خاصة بوجود رئيس أوكراني يهودي، وجالية يهوديةأوكرانية لا بأس بها! وليس مستغربا إعلان رئيس سلطة الاحتلال عن مشاعره وتعاطفه معالشعب الأوكراني فقط!
لدى الدول العربية، التي هي همي الدائم، هامش حركة صغير، أو كبير؛للتموضع في هذه الحرب بأقل قدر ممكن من الضرر الذي لا بد منه. ولذلك أناشد قادتنا،كل من موقعه، لدراسة ما يمكن اتخاذه من إجراءات حمائية، بما في ذلك تأمين أساسياتالحياة من غذاء، ودواء، وتحول رقمي.
ولعل معالي أمين عام جامعة الدول العربية، سيجد من المناسب ترتيباجتماع عربي على أي مستوى يراه؛ ليكون تشاوريا، وليس هادفا لاتخاذ أي قرارات أومواقف، بل هو لتبادل الأفكار فيما يحقق تحصين كل دولة، والوضع العربي بأكمله.
وختاما، لقد علمتني الحياة أن الأزمات هي فرص لمن يُحسن استغلالهاأيضا.
طلال أبوغزاله
1/ 3/2022



