مقالات

العمارة بوصفها نسقاً ثقافياً: في سببيتها وجدليتها

يناير 13, 2017
عدد المشاهدات 918
عدد التعليقات 0
د. ضياء الكعبي
جميل جدًا هو ذلك التعالقُ بين روح المكان في تقاطعاته مع التاريخ والثقافة وفي الأبعاد الفلسفية الكامنة له

نادرةٌ جداً هي المقاربات التي تناولت العمارة العربية الحديثة في تشكيلاتها الثقافيّة وفي تعالقاتها مع الأنساق الجماليّة والفلسفيّة المؤسّسة لها من خلال دراسة روح المكان دراسة بنيوية عميقة. وتأتي مقاربة المعماريّ العراقيّ رفعة الجادرجي في كتابه “في سببية وجدلية العمارة” كي تغوصَ في هذه الأبعاد العميقة الظاهرة والكامنة للفضاءات المكانية المعمارية العربية. لقد أتت مقاربة رفعة الجادرجيّ لتربطَ الهندسة المعمارية في الوطن العربيّ بإشكاليات تاريخيّة وثقافيّة وبعضها لايخلو من حساسياتٍ تاريخيٍة كبرى كما سأبينُ بعد قليل. لقد ناقشت هذه المقاربةُ عدة أسئلة كبرى من أهمها سؤال الهوية والخصوصية في الفن والعمارة وعلاقة المعماريّ العربيّ في السياق التاريخيّ من المركزية الأوروبية، ومنها إشكالية العمارة والتنظير البنيويّ من العمارة التقليدية إلى العمارة المقدّسة إلى مناقشة مفاهيمَ فلسفية عميقة جدًا وكبرى في الفكر الإنسانيّ منذ الفلسفة الإغريقيّة مثل فلسفات الجمال في علاقتها بالعمارة.

الفضاءات المكانية لها روح هي روح المكان وهي تلك الروح المتعالقة والمندغمة مع الإنسان؛ هناك فضاءات جاذبة وهناك فضاءات طاردة، هناك فضاءات مفتوحة وهناك فضاءات مغلقة ومقيّدة. وقد كان الفيلسوف الظاهراتيّ غاستون باشلار من أبرز من تناول جماليات المكان في تعالقاتها الثقافية والمعرفية العميقة جدًا. وسأذكر هنا مثالاً دالاً على المكان في أعماقه الظاهرة والكامنة هو رواية “عمارة يعقوبيان” للروائيّ المصري علاء الأسوانيّ، وهي الرواية التي تحوّلت إلى فيلم سينمائيّ مشهور جدًا قام ببطولته النجم المصريّ عادل إمام ويسرا ويحمل الاسم ذاته “عمارة يعقوبيان”. كانت تلك العمارة التي بناها الأرمنيّ جاكوب يعقوبيان في ثلاثينيات القرن الماضي أنموذجًا بنيويًا عميقًا جدًا دالاً على روح المكان في تحولاته. لقد بنى هذا التاجر الأرمنيّ عمارته الفخمة جدًا التي زودها بمصاعد شيندلر الألمانية كي تكون سكنًا باذخًا لبعض النخبة الراقية جدًا من غير المصريين الساكنين في مدينة القاهرة. وبعد الثورة المصرية غادرت معظم العائلات الأوروبية هذه العمارة ومنهم صاحبها جاكوب يعقوبيان. وتحوّلت العمارة إلى محل سكنى لبعض ضباط الثورة المصرية إضافة إلى وجود عدد قليل جدًا من النخبة الأرستقراطية من الساكنين القدامى في هذه العمارة ثم بدأت تظهر طبقة جديدة فيها وهم محدثو النعمة من التجار الجدد ثم بدأت تظهر طبقة مسحوقة جدًا ومهمشة وتحت خط الفقر اتخذت فوق السطوح محلاً لإقامتها. وهكذا عبَّرت هذه العمارة عن التحوّلات العميقة والحراك الكبير اجتماعيًا وثقافيًا الذي مرَّ به المجتمع المصريّ قبل ثورة يوليو وبعدها.

في منتصف القرن التاسع عشر أراد الخديوي المصري إسماعيل أن يجعلَ من القاهرة قطعة من أوروبا؛ فقد كان شديد الإعجاب والانبهار بتصميم مدينة باريس آنذاك عندما أعاد عمارتها أحد المهندسين الفرنسيين. وعندما استدعى الخديويّ إسماعيل هذا المهندس الفرنسي صارح الخديوي إسماعيل بصعوبة تحويل مدينة القاهرة كاملة إلى أنموذج يحاكي مدينة باريس محاكاة تامة ومطابقة. ولذلك اقتصر تغيير وجه المدينة على المنطقة التي تقع في ميدان طلعت حرب حيث القاهرة الكولونياليّة المشيّدة على الطراز الباروكيّ الأوروبيّ ولاتزال هذه العمارة قائمةً تشهد وبعمق على تلك الحقبة من التاريخ المصريّ الحديث. لقد كان المهندس المعماريّ الفرنسيّ الذي استدعاه الخديوي إسماعيل لإعادة تخطيط مدينة القاهرة على وعي عميق جدًا بروح المكان في تقاطعاته التاريخية والحضارية وفي هويته المتنوعة ثقافيا وبالتالي كان من الاستحالات الكبرى تغيير وجه المكان تماماً كما كان يريد الخديوي إسماعيل آنذاك.

أنا فخورة جدًا بالتأثير العميق الذي أحدثه بعض المعماريين العرب عالمياً وهنا يبرز اسم المعمارية البريطانيّة ذات الأصول العراقيّة زها حديد في عمارتها التفكيكية التي كانت سابقة جداً لزمنها . ولاشكَّ أنَّ تأسيسها العميق في الرياضيات كان وراء تلك التوليفة المدهشة من تصميمات ما بعد حداثية أبهرت العالم كله، وأوجدت بذلك زها حديد لنفسها بصمة معمارية عميقة لن تُنسى مطلقًا رغم رحيلها. ولاشكَّ أيضًا أنَّ تصميماتها الثورية كانت تمتزج بروح المكان امتزاجًا ابتكاريًا قائمًا على فهم عميق لفلسفته وبهذا أتت تصميماتها التي نفذتها في الوطن العربيّ قائمةٌ على هذا الفهم العميق، فعلى سبيل المثال تصميمها المذهل لجسر أبوظبيّ ولدار أوبرا دبي ودار الأوبرا السلطانية في عمان والمسرح الكبير في الرباط.. هذه التصميمات تنم عن وعي زها حديد بروح المكان في تعالقاته المختلفة التي أشرتُ إليها.

جميل جداً هو ذلك التعالقُ بين روح المكان في تقاطعاته مع التاريخ والثقافة وفي الأبعاد الفلسفية الكامنة له. وحده المعماريّ المثقف هو الذي لديه تلك الحساسية الفائقة لالتقاط روح المكان بعمق، ومثل هذا النمط النادر من المعماريين هو الذي سيبدع وسيبتكر ووحده القادر على إدهاشنا بتصاميمَ استثنائيةٍ تحدثُ علامة معمارية فارقة دالة عليه: علامة ستبقى ولن تزول مطلقًا! لذلك أدعو أن تنتبه كليات العمارة في الوطن العربيّ إلى مثل هذا التأسيس الثقافيّ العميق والفلسفيّ للمعماريّ كي تنتج جامعاتنا العربية أجيالاً من المعماريين الذي يشاركون وبعمق في المشهد المعماريّ العالميّ من خلال إضافات نوعية فارقة جدًا واستثنائية.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى