مقالات

الأدب بين ثقافة الذاكرة وإنتاجها

سبتمبر 07, 2017
عدد المشاهدات 935
عدد التعليقات 0
أ.د.عبدالكريم اسعد قحطان

الثقافة بوصفها نسقا من المعارف والقيم والعادات التي توجه سلوك الأفراد والجماعات وتنظم علاقاتهم بعضهم مع بعض في إطار الواقع الاجتماعي التاريخي وكذا علاقتهم مع الكون ومع خالقه وخالقهم. هذه الثقافة تتمايز بين أن تكون حية مهيأة للتجديد في ذاتها ومهيئة له في ما يرتبط بها أو يستند عليها في الواقع التاريخي من خلال تحريرها الوعي النقدي وامتلاكها محفزات الإبداع، أو تكون عتيقة مستهلكة في ذاتها ومهلكة لكل تطور أو إبداع.
وبطبيعة الحال فإن الأدب – وهو مكون من مكونات الثقافة البشرية- لابد أن يتأثر بهذا النسق المهيمن على منتجه ومتلقيه، فيتمايز خطابه – على وفق نوع النسق الثقافي الذي يتبناه – بين أن يكون مبدعا في ذاته وفي مدلوله وأثره أو أن يكتفي بدور الذاكرة الحافظة والمذكرة لقيم الثقافة ومعارفها عند الحاجة. 
مع أن الإبداع الذي يمكن أن ينجزه الخطاب الأدبي لا يقتصر على بنيته الخاصة بل يتعدى ذلك إلى قيم الثقافة نفسها، أو لنقل إنه في حالاته المميزة يكون إبداعا متكاملا ومنسجما ، بحيث يجدد في بنيته لملاءمة جديد مدلوله وأثره. وقد يعيد إنتاج ما ثبت من قيم الثقافة وتأكد بعده الإنساني، أو يؤسس لهذه القيم ضمن خطابه الجمالي المتجدد في ذاته، فيكون أكثر قدرة من سواه على إقناع المتلقي بقيمه أو بمغزاه ، بالقدر الذي يكون فيه قادرا على مخاطبة وجدان متلقيه وإثارة تأمله وتحفيزه لإدراك المغزى . 
هذه الكفاية التي ينجزها الأدب الناجع في متلقيه ليست بخافية ويكفي أن نتمثلها في موقف الرسول الكريم (ص)- وهو الذي لا ينطق عن الهوى – من أبيات شعر سمعها بلسان قتيلة بنت النظر( ).، نجحت بها في تعديل فناعته يقدر ما نجحت في إعادة إنتاج قيم النبل والتسامح بوجدانه.أو قصة الفاروق عمر (رض) مع الحطيئة ( )
ولا نتوقع أن الرسول (ص) كان – حين أمر بقتل أخي الشاعرة – يجهل أنه (الرسول) ابن كريم لأم كريمة وأنه ذو نسب كريم وأن القتيل من أقربائه وهو لهذه القرابة ، وبحسب أعراف المجتمع السائدة، يستحق التعصب لصالحه في منع موته أكان بالعفو أم بالدية ، وأن للقتيل أبناء وأقارب سيتأثرون بمقتله . 
وهي مدلولات ما كان للرسول (ص) أن يرجحها عن مدلولات ضبط حياة المجتمع في سياق الواقع التاريخي القائم. 
أما وقد انتظمت ضمن سياق فني كفيل بتحقيق التواصل الجمالي مع متلقيه، فإنها تكون قد تجاوزت مدلولها العقلي الآني لتصير بمثابة مثيرات تأخذ مدلولها من سياق وجداني يهيمن عليه ويضبط مدلولاته قاموس الروح والمعاني الأبدية الكامنة في أعماق كل منا بني البشر. بله أعماق الرسول التي طهرت من نزوات الدنيا ومنافعها الفانية . 
واستحضار هذه المدلولات الوجدانية يعني هيمنتها في توجيه الوعي والسلوك ، هيمنة تسمو بكل ما هو روحي وإنساني أو كوني عن كل ما هو نفعي وتاريخي . ومن ثم كان لا بد من تغيير الموقف مما تم في لحظة مراعاة احتياج المصلحة الاجتماعية في اللحظة التاريخية.
وهكذا الأمر مع استجابة الفاروق عمر (رض) لشعر الحطيئة وفك سجنه .
في ضوء هذه الوظيفة التي يمكن أن يحققها الخطاب الأدبي، يمكن فهم التضحيات التي كثيرا ما يقدمها الأدباء المميزون إذا ما تجاوزوا قيم الثقافة السائدة ، وتم تقويمهم بعين المصلحة الآنية ومنطق السلطة الحاكمة . التضحيات التي قد تصل إلى حد إزهاق الروح، كما حصل مع بشار بن برد وصالح بن عبد القدوس وعبد الله بن المقفع في عصر الدولة العباسية، أو كما حصل مع الشاعرين: الموشكي والزبيري في واقع اليمن الحديث.
ولم يسلم من هذه المآسي مبدعون كثر قدماء ومعاصرون، وإن لم تبلغ حد إزهاق الروح ، كالتشريد من الوطن والأهل أو السجن أو التهديد بالقتل أو تشويه السمعة، وهم أكثر من أن يعدّدهم هذا المقال. 
***
الثقافة، إذن، لا تتخذ من الأدب ذاكرة إلا إذا كانا، هي وهو، عقيمين، ولا بد من التنبيه هنا إلى مقولة أطلقها الناقد العربي القديم في بواكير عصر التدوين والبحث العلمي في الزمن العباسي وكررها الخطاب النقدي بعده، ومفادها أن” الشعر العربي مثل ديوان العرب ومستودع أسرارهم وعلومهم …”
هذا القول ربما أوحى بأن الشعر العربي القديم كان بمثابة سيرة حياة أو مدونة توثيقية لأحداث زمانه، وهو أمر يتناقض مع ما ينسبه الناقد نفسه لذلك الشعر من تأثير سحري في متلقيه .ونحن في الواقع المعاصر – وان كانت معاصرتنا لا تبتعد كثيرا في مدلولها المعنوي عن واقع ذلك الشعر – ما نزال نجد لذلك الشعر تأثيره الجمالي فينا.
فمدلول المقولة إذن ، يتم بالنظر إلى الوظيفة الاستثنائية التي ينجزها خطاب الأدب عامة والشعر منه ، من حيث إنه يشتمل على معان ومعلومات يمكن لها أن تلبي احتياجات علوم مختلفة، وهي مسألة لا تقتصر على ذلك الشعر، فبإمكان عالم الجغرافيا أو التاريخ أو النفس أو المجتمع في الواقع المعاصر أن يجد في لغة الخطاب الأدبي القديم أو المعاصر شيئا من مادته الخام التي يعيد تحليلها وفق منهجه ومقتضياته . وإذا ما كانت العلوم هذه لم تكن قد تعينت بعد في واقع الشعر القديم فإن الشعر القديم مثل المادة الوحيدة التي اختزنت مادة هذه العلوم. أما الخطاب الأدبي فلا يتعامل مع هذه المادة إلا ليتجاوز مدلولها اللغوي المستقر، وهو ما لا يهتم به غير الناقد.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى