مقالات

خطر الإعلام الموجه

ديسمبر 27, 2016
عدد المشاهدات 1171
عدد التعليقات 0
أحمد محمد الشحي

الإعلام من أمضى أسلحة الوقت المعاصر، هذا العصر الذي يوصف بأنه عصر الاتصال والفضاء المفتوح والتقنيات العابرة للحدود، والإعلام بطبيعة الحال سلاح ذو حدين منذ أقدم العصور.

والمعركة الإعلامية قد تكون أحياناً كثيرة أشد ضراوة وأكثر تأثيراً، لأنها تتصل بالناس مباشرة في كل لحظة وآن، وتخترق الحواجز والموانع، لتنفذ إلى العقول والأفئدة والنفوس، وقد زاد تأثير الإعلام المعاصر مع ظهور شبكة الإنترنت، وتضاعف مع بروز منصات التواصل الاجتماعي، التي فتحت الباب أمام الإعلام غير التقليدي.

ومع الثورات التقنية المعاصرة أصبح الاعتماد على المعلومات الفورية التي يتم الحصول عليها من وسائل الإعلام يتزايد، ليتزايد معه مخاطر الإعلام الموجه وتأثيراته السلبية على الأفراد والشعوب، ومن أخطر هذه الأدوات الإعلامية البرامج الإخبارية غير المهنية، التي تعمل على تعبئة الرأي العام نحو اتجاهات سلبية، متجردة عن الإنصاف والموضوعية.

ويمكن قراءة اتجاهات الأفراد بمعرفة القنوات الإعلامية والإخبارية التي يتابعونها ويشيدون بها، لينعكس ذلك على طريقة نظرتهم للأحداث وأنماط أفكارهم المتعلقة بذلك، وهو ما يكشف حقيقة واضحة، وهي تأثير هذه القنوات على متابعيها وأثرها في تشكيل آرائهم واتجاهاتهم، وفي الحديث النبوي:

«إن من البيان لسحرا»، أي: إن بعض الكلام له مفعول السحر في العقول والقلوب لشدة تأثيره على النفوس، فقد يحول المتحدث لفرط مهاراته الخطابية الحق إلى باطل، والباطل إلى الحق، ويتلاعب بعقول السامعين ويستميل قلوبهم كما يفعل الساحر، ويلحق بالكلام كل ما في معناه من أدوات التأثير المعاصر من الصور والمقاطع المسموعة والمرئية وغيرها، والباحثون اليوم في مجال الإعلام والتنمية البشرية وغيرها يتحدثون عن فنون التأثير على العقل وغسل الأدمغة ودور وسائل الإعلام في ذلك.

وبالنظر إلى الأحداث القريبة والراهنة نجد الدور الكبير الذي لعبته وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية في الثورات التي اجتاحت بعض البلدان العربية.

وهذا الإعلام السلبي الذي أشعل الثورات لم ينشأ من عدم، ولم يخرج من مصباح سحري بفركة يد، فلا وجود لهذا المصباح، بل هو حصيلة لثقافة صنعته، ومصالح كوَّنته وتاجرت به، فما الإعلام إلا وعاء ينضح بما فيه، ويكفي دلالة على خطر التأثير الثقافي السلبي الذي تتكئ عليه هذه القنوات أن أي باحث يتجول في عالم الكتب المعاصرة في الوطن العربي يجد أطناناً من الكتب الثقافية التي تروّج للثورات باسم الثقافة.

ويجد مثقفين كثر يدعمون الثورات، مدعين أنها من حقوق الجماهير ومن متطلبات الديمقراطية المعاصرة، حتى انتشرت الأفكار الثورية في صفوف كثير من المثقفين انتشار النار في الهشيم، فإذا كان هناك ألف شيخ دين يروج للثورات ففي مقابلهم ألف مثقف أو أكثر يروج للأمر نفسه، مما يحتم على العلماء والمثقفين تجديد الخطاب الثقافي، وتطهيره من الأفكار الثورية والحزبية وكل ما من شأنه هدم استقرار الأوطان.

وتجديد الخطاب الديني وإحلال مفاهيم الوسطية والاعتدال والتسامح والموافقة لصحيح الدين الحنيف، بالإضافة إلى تسامي أصحاب القنوات عن المصالح الخاصة والأجندات السلبية، وتسخير قنواتهم وبرامجهم للصالح العام وفي خدمة الخير والاستقرار، والتحلي بالمهنية الأخلاقية وحس المسؤولية وروح الإعلام الإيجابي الهادف.

ومن صور الإعلام السلبي الموجه اليوم الإعلام الإيراني الشوفيني الموجه ضد الدول العربية خصوصاً، والذي لا يتورع عن امتهان الكذب الصريح للتحريض ضد العرب، على طريقة النازي بول جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد هتلر، والذي اعتبر الكذب أحد أسلحة الإعلام الموجه، وتفنن في استخدامه كوسيلة لتمرير الأجندات النازية، قائلاً:

«اكذب واكذب حتى يصبح الكذب حقيقة»، زاعماً أن «الحقيقة أكبر عدو»، وأسفرت هذه الطريقة الممنهجة في الكذب عن خداع الجماهير، حتى قالت رنهيلد بومسل سكرتيرة غوبلز: «البلد كلها كانت مسحورة»، ولكن سرعان ما تهاوى هذا الصرح الهش الذي بُني على الكذب على من فيه.

ولم يجد مؤسسه النازي غوبلز ومن قبله هتلر وسيلة للخلاص إلا الانتحار، والإعلام الإيراني الذي يمشي في الطريق نفسه سيواجه المصير نفسه إذا لم يصحح مساره ويتحول إلى أداة خير وسلام واستقرار بدلاً من أن يكون أداة كذب وافتراء وقلب للحقائق وزعزعة لأمن الدول والشعوب.

ومن الخطر الإعلامي الموجه كذلك ما تقوم به سائل إعلام غربية من تغذية لظاهرة الإسلاموفوبيا، والربط بين الإرهاب والإسلام، ومعاداة العرب، وتنمية الكراهية ضدهم، وتشويه صورة العربي، واستهداف الإنسان لمجرد تحدثه باللغة العربية، وتشويه صور الدول العربية، وإظهارها بأنها دول استبداد واستعباد ودكتاتورية وفساد، وتشويه صورة العقل العربي.

وقد شهدت بعض البلدان حوادث عنصرية متعلقة بذلك، ونظراً لخطورة هذه الظاهرة فقد تم تناوله في المؤتمر الإسلامي لوزراء الإعلام في منظمة التعاون الإسلامي في الدورة الحادية عشرة.

والذي انعقد منذ أيام تحت شعار «الإعلام المتجدد في مواجهة الإرهاب والإسلاموفوبيا». والتصدي لخطر الإعلام الموجه على اختلاف صوره يبدأ بغرس الوعي الفردي والجماعي، والتحلي باليقظة والتفكير النقدي، واستقاء المعلومات من المصادر الأمينة الموثوقة، والحذر من الأكاذيب والإشاعات، وعدم التعرض للمؤثرات السلبية ولو بقصد التسلية، فالوقاية خير من العلاج، بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام والعلماء والمثقفين في حماية المجتمع من تضليل الإعلام الموجه.البيان

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى