كتاب عدن

الجريمة خطيئة الفرد لا المجتمع ..



وُجدت الجريمة منذ أن خلق الله الإنسان، وكأنها ظلٌ لازمَ خطواته الأولى على الأرض . القتل، السرقة، الفواحش، التزوير، الاحتيال، وسواها من الأفعال المخلة بالنظام العام والآداب والأخلاق، ليست في جوهرها سوى جرائم فردية، يتحمل وزرها مرتكبها ، أكان فردًا أم جماعةً أجمعت على الإثم .

لا يخلو مجتمع من الجريمة، لا فرق في ذلك بين غني وفقير ، متعلم وجاهل، متدين أو ملحد ، فهي هاجسٌ إنساني عابر للثقافات ، وفي مواجهتها سُنّت القوانين، وشُرّعت الأديان، وأُرسلت الرسل والأنبياء، وكان سعيهم الأوحد ضبط إيقاع الحياة، وحماية البشرية من ذاتها .

فلولا سياج التشريع الرادع، لتحولت الآدمية إلى غابة يأكل فيها القويّ الضعيف، ويحكمها منطق الوحش لا حكمة العقل .

لكن المؤسف حقًا أن منصات التواصل الاجتماعي باتت ساحة بلا حسيب أو رقيب ، يُتعامل فيها مع كل جريمة انتهاك وفق أمزجة متقلبة وأهواء عاصفة وردود أفعال غاضبة ، بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى تحريض مقيت، وتعميم أعمى، وتجيير للحقائق لا يليق بنا ونحن ندّعي التحضر ، وننشد العدالة بإنصاف الضحية والقصاص من الجاني ، كائنًا من كان، وأينما حلّ أو وُجد .

ثمة حقيقة بديهية ينبغي أن تستقر في الوجدان الجمعي وهي ان كل من ارتكب جرمًا، قاتلًا كان أو مغتصبًا، سارقًا أو محرضًا، ممولًا أو شريكًا بالصمت، ينبغي أن يُعاقب على جرمه، لا أن يُحمّل وزرَه أبرياءُ لا ذنب لهم إلا أنهم يشاركونه اسم العائلة، أو حدود المنطقة ، أو سقف المدينة، أو حتى الانتماء الديني ، فعقاب البريء على جريمة المذنب جريمةٌ موازية، لا تقل بشاعة عن الفعل الأصلي .
وما يبعث على الأسى أن البعض يمارس إسقاط الجرائم على العموم بمنطق الجمع والتحميل، وهذا انزلاق خطير، وفيه تجنٍ صارخ وظلم فادح للأبرياء، بمن فيهم أقارب الجاني نفسه الذين قد يكونون أولى ضحاياه .

وهذا التعميم المقيت ليس وليد اللحظة، وإنما سبقه تعميمات مماثلة ، حين مورس التحريض ذاته ضد فئات اجتماعية أو نطاقات جغرافية بعينها، لأغراض سياسية ومناطقية مقززة ، فلم ينحصر هذا التعميم الظالم في منطقة أو محافظة، وإنما طال أمكنة أخرى حدثت فيها جرائم قتل أو اغتصاب أو سرقة أو سواها .

وهذه الإسقاطات لا تمتّ إلى الموضوعية بصلة، ولا تليق بنا ونحن ندّعي الحرص على الحق والعدل والنظام، في دولة يفترض أنها تحمي جميع أبنائها دونما تمييز .

وهناك من سارع إلى النشر والتشويه بقصد خبيث، وكأنه يعيش في مدينة فاضلة تسكنها الملائكة، متجاهلًا أن طينة البشر واحدة، وأن الضمير الفردي وحده هو ما يُسقط صاحبه في الحضيض أو يرتقي به إلى عليين .

فلنكن واضعين نصب أعيننا أن العدالة الحقة لا تُبنى على الثأر الأعمى، وإنما بإنصاف الضحايا ومحاسبة المذنبين، دون أن نُضمّد جرحًا بآخر، أو نخلق مظلومية جديدة تحت شعار نصرة المظلوم .
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الجريمة ذاتها، بل تلك الرغبة المريضة في تحويل الضحية إلى جلاد، والجاني المفرد إلى أمة كاملة تُدان بلا محاكمة .

فكما أن الجريمة فردية بطبعها، يجب أن يظل العقاب فرديًا ، وإن أردنا حقًا أن نحمي أنفسنا من الوحشية، فلنبدأ بعدم ممارستها تحت قناع الدفاع عن الضحايا ، فليس هنالك ما هو أقسى على روح بريئة من أن تُقتل مرتين ؛ مرة بيد المجرم ، ومرة بلسان من يدّعي نصرتها .

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى