كتاب عدن

نظام عالمي يحكمه الجنون المنظّم


ربى عياش*


العالم يدفع الثمن الحرب بين روسيا وأوكرانيا
اليوم، ومع كل ما يشهده العالم من تطورات عسكرية وسياسية واقتصادية وأمنية، وما ينعكس عنها على التركيبة الثقافية والفكرية والقيمية والأخلاقية التي تحكم كثيرًا من المجتمعات، خاصة في ظل التعقيدات التي تشهدها ملفات الشرق الأوسط، والتي أثّرت بشكل واضح في العلاقات الدولية ومفاهيم التعامل بين الدول والشعوب، يبرز سؤال جوهري: ألا يبدو أن من يساهم في رسم هذا النظام العالمي يتصرف بمنطق الجنون المنظّم؟

جنونٌ له حساباته ومبرراته وأدواته. أشخاص يمتلكون نزعات متطرفة وسيكولوجيا نرجسية، يستخدمون المسوغات لتبرير قراراتهم. لكن مع كل قرار جديد، ومع كل تصعيد، يزداد العالم ظلامًا دون هدف واضح؛ ربما من أجل البقاء، وربما من أجل مصالح ضيقة، وربما فقط لأن من يملك القوة لا يريد أن يخسرها.

لكن النتيجة واحدة: الجميع يُدفع نحو الهاوية. ليس “الآخر” فقط، بل حتى دولهم نفسها تُساق تدريجيًا نحو الجحيم. وكأن العالم اهترأ من أجل لا شيء واضح؛ ربما من أجل السطوة، أو القوة، أو السيطرة، أو الموارد. كل طرف يريد أن يكون الإمبراطور الأعظم، أو على الأقل ألا يُهزم.

في قلب هذا المشهد العالمي المضطرب، تتقاطع مشاريع القوى الكبرى والإقليمية بطريقة تعكس حجم التعقيد الذي بلغه النظام الدولي. كل طرف يحاول تثبيت نفوذه، وتوسيع مجاله، وضمان بقائه في نظام لم يعد مستقرًا.

الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على موقعها القيادي عبر أدوات متعددة: اقتصادية، وعسكرية، وتكنولوجية، وثقافية، في ظل صراع مفتوح مع قوى صاعدة أو مناهضة. وهي ترفض محاولات إعادة تشكيل مناطق النفوذ، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى غنية بالموارد والطاقة.



في المقابل، تعمل قوى إقليمية مثل إيران على تثبيت حضورها عبر شبكة من التحالفات والامتدادات غير المباشرة، محاولة خلق توازن ردع يضمن بقاءها ويعزز دورها في معادلات المنطقة، خصوصًا مع تصاعد التوترات وتغير قواعد الاشتباك، وسعيها لتعزيز موقعها في مواجهة النفوذ الأميركي.

أما إسرائيل، فتتحرك ضمن مشروع أمني واستراتيجي طويل الأمد، لا يقتصر على الجغرافيا، بل يمتد إلى مجالات التفوق التكنولوجي والاستخباراتي والسيبراني. وفي ظل ذلك، تستمر الشراكة مع الولايات المتحدة بما يخدم مصالح مشتركة متعددة، مع سعي دائم لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن تفوقها.

ولا يتوقف هذا الجنون المنظّم عند منطقة بعينها، بل يتكرر بالمنطق نفسه في صراعات متعددة حول العالم. فالحرب الروسية الأوكرانية، على سبيل المثال، تعكس النموذج ذاته: سعي لإعادة رسم النفوذ، واستحضار إرث جيوسياسي قديم، ومحاولة فرض واقع جديد بالقوة. منطق يستند إلى السيطرة واستعادة المجال الحيوي، حتى لو كان الثمن تدمير دولة كاملة واستنزاف شعبها.

لكن التأثير لم يبقَ محصورًا في حدود أوكرانيا أو روسيا. فقد دفعت هذه الحرب العالم كله إلى دفع الثمن: ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، اضطرابات اقتصادية، وضغط هائل على معيشة المواطن في دول لا علاقة لها مباشرة بالصراع. وكأن العالم أصبح شبكة مترابطة من الأزمات؛ أي شرارة فيها تُشعل الجميع.

وفي مشهد أكثر تعقيدًا، تتداخل المصالح بما يكشف مفارقة هذا النظام. فبينما تتصاعد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، تظهر أطراف أخرى كمستفيد غير مباشر. روسيا، على سبيل المثال، تستفيد من تحولات أسواق الطاقة وتعزز موقعها كمصدر بديل، بينما تتحرك الصين بهدوء لملء الفراغات، مستقطبة حلفاء جدد يسعون إلى الخروج من عباءة الهيمنة التقليدية وبناء توازنات جديدة أقل اعتمادًا على طرف واحد.

وفي خضم ذلك، تقف دول صغيرة وهشة في موقع بالغ الخطورة؛ دول تبحث عن أي مظلة تحميها، وأي تحالف يضمن بقاءها، فتجد نفسها مضطرة للانخراط في محاور أكبر منها، في عالم لا يترك مساحة حقيقية للحياد.

ورغم كل هذه الحسابات المعقدة، تبقى النتيجة واحدة: سياسات تفيد دولًا، وتعزز نفوذ قوى، وتُغني شركات ونخبًا سياسية، بينما الإنسان، في معظم مناطق العالم، هو من يدفع الثمن الحقيقي—في معيشته، وأمنه، ومستقبله، وقدرته على أن يعيش حياة طبيعية. وهنا يتجلى جوهر هذا الجنون: نظام يبدو عقلانيًا في حساباته الكبرى، لكنه غير إنساني في نتائجه.

ومع هذا التعقيد، يبدو أن العالم لا يسير وفق نظام واضح بقدر ما ينزلق نحو حالة من التنافس المفتوح، حيث يسعى كل طرف لتثبيت موقعه، حتى لو كان الثمن استنزاف الجميع.



لقد أصبحت العلاقات بين الدول متوترة وغريبة إلى درجة أن الدبلوماسية التقليدية لم تعد مجدية في كثير من القضايا. الحوار غائب إلى حد بعيد، وتحولت الدبلوماسية إلى دبلوماسية تهديد، ودبلوماسية إعلام، ودبلوماسية أسواق مالية. طاولات المفاوضات هُجرت تقريبًا، ولا أحد يكترث فعليًا بالإنسان. وتكشف الوقائع عن انفصال متزايد لدى السلطات الحاكمة بين ما يُسمى المصالح الوطنية أو الاستراتيجيات الكبرى، وبين حياة الإنسان العادي.

الجميع يرفع صوته دفاعًا عن رايات مختلفة، لكن من يدافع عن راية الإنسان؟ في النهاية، ومع كل هذه الحسابات، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن.

ليس فقط جسديًا وروحيًا بفعل القصف والغارات، بل أيضًا ضمن نظام محبوك جعل الإنسان في كثير من الأحيان على حافة الانهيار. فالمواطن يجد صعوبة في امتلاك منزل، وحياته مرهونة للمصارف، والشباب بلا أحلام واضحة. الواقع المعيشي الصعب والفوضوي جعل الثقافة أمرًا مهمشًا، لا يُكترث له، ولا يُمنح وزنًا حقيقيًا. كما انعكس ذلك على الفن والمسرح والموسيقى، التي باتت تعكس حالة من الخواء الجمعي.

تشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حتى عام 2026 إلى تراجع نسبة الشباب الذين يمتلكون أصولًا حقيقية—كمنزل أو أرض أو مشروع—في معظم الدول، المتقدمة والنامية على حد سواء، رغم عملهم لساعات طويلة قد تصل أحيانًا إلى 12 ساعة يوميًا. ويعود ذلك إلى نموذج اقتصادي يُغني القلة ويُفقِر الكثرة.

ولا يقف التأثير عند هذا الحد. ففي ظل الحروب والصراعات، تغرق مجتمعات أكثر في التراجع الاقتصادي، وتتزايد البطالة، وتفقد دول قدرتها على توفير أبسط الخدمات: الكهرباء، والطاقة، والمياه النظيفة، والتعليم.

ومع تراجع التعليم، خاصة في ظل التحول السريع نحو النماذج الرقمية، بدأ يفقد قيمته تدريجيًا، وفقد معه الطالب تركيزه وانضباطه، لتفقد المدرسة دورها شيئًا فشيئًا. وفي موازاة ذلك، تتغير طبيعة الحروب بشكل خطير.

عالمٌ بات فيه انتهاك الخطوط الحمراء أمرًا اعتياديًا؛ تُستباح فيه المناطق السكنية وتُبرَّر، وتُستخدم كوسيلة ضغط على المدنيين، إما كدروع بشرية أو لدفعهم نحو الانقلاب على أنظمتهم، بما يضعف الجبهة الداخلية. كما تُستهدف الأماكن الدينية والتاريخية والأثرية والتعليمية، والمستشفيات، ومحطات الكهرباء وتحلية المياه.

لم تعد ساحات المعارك منفصلة، ولا توجد حدود واضحة لقواعد الحرب.

وهنا يصل التأثير إلى الإنسان بشكل مباشر وعميق؛ إذ يعمل كل ذلك على تفريغه من داخله—من إنسانيته، وخفته، وقدرته على الشعور—فيصبح مثقلًا وفارغًا في آن واحد.

ويبدأ نوع من التخدّر الشعوري، حتى يعتاد الإنسان الظلام، ومع الوقت يصبح جزءًا منه، وربما مشاركًا فيه بشكل غير واعٍ.

وفي ظل هذا كله، يتشكل نظام عالمي يبدو وكأن الجنون يقوده. كل طرف يريد إنهاء الآخر، وكأن الإبادة الكاملة ممكنة أو قابلة للتحقق. لكن هذا المنطق لا ينتهي بانتصار، بل بتدمير الجميع.

لقد وصلنا إلى مرحلة تكسير الإنسان والبنيان معًا من أجل فرض واقع واحد ورؤية واحدة.

وفي عالم كهذا، يصبح التبرير خطيرًا؛ لأن من يبرر التدمير الشامل يبرر، بشكل غير مباشر، تدمير نفسه أيضًا. فلا يمكن لفكر قائم على الإبادة أن يضمن النجاة لصاحبه.

وهنا تكمن المفارقة الأوضح: أننا نعيش في ظل نظام عالمي يُدار بجنون منظّم، ومع ذلك، لا يزال الإنسان—في مكان ما داخله—يحاول أن يبقى إنسانًا.

*إعلامية فلسطينية

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى