كتاب عدن
ما بعد الحرب… إيران أقوى إقليمياً؟

أحمد عبداللاه
إيران لا تتخلى عن ملفها النووي، لأنها تنظر إليه بوصفه قضية وجودية للنظام، بعد عقود طويلة أُنفقت فيها الموارد والجهود على استقدام التكنولوجيا النووية، وبناء المنشآت والبنى الأساسية، وتطوير عمليات التخصيب. ولذلك، فإن أي تخل عن هذا الملف بالشروط التي يطرحها دونالد ترامب يُنظر إليه داخل إيران باعتباره أقرب إلى انتحار سياسي واستراتيجي للنظام. ولهذا، فإن التخلي عن “الغبار النووي”، وفق التعبير الذي استخدمه ترامب، يبدو أمراً غير وارد في الحسابات الإيرانية.
الولايات المتحدة تدرك أن إيران ليست مجرد دولة عادية في معادلات المنطقة، وإنما دولة كبيرة تمتلك ثقلاً حضارياً وتاريخياً عميقاً يمتد من إرث زرادشت وجاماسب، إلى إمبراطورية كورش، ثم الدولة الصفوية، وصولاً إلى فكرة نائب الإمام والدولة الإيرانية الحديثة… بتعقيداتها السياسية والجيوسياسية الراهنة. ولهذا، يصعب التعامل مع إيران باعتبارها دولة شرق اوسطية يمكن إخضاعها بسهولة عبر الضغوط أو الحروب التقليدية، لأن بنية الدولة الإيرانية تستند أيضاً إلى قوة التاريخ والحضارة وإلى قوة الجغرافيا. كل ذلك يمنحها قدرة أكبر على البقاء وإعادة إنتاج أدوات النفوذ.
وفي ملف مضيق هرمز فقد نجحت إيران إلى حد بعيد في فرض معادلة تجعل منه ممراً تتحكم بإيقاعه أثناء الحروب والتصعيد، بحيث باتت عودته إلى وضعه الطبيعي مرتبطة بشروط سياسية وأمنية تفرضها طهران، مقارنة بما كان عليه قبل المواجهة مع الولايات المتحدة وحليفتها.
خليجياً ، يبدو أن دول مجلس التعاون امتصّت الضربة من دون أن تمتلك وسائل حقيقية تمنع أي تصعيد قادم إذا اندلعت حرب جديدة. كما أن فلسفتها الأمنية، القائمة بدرجة كبيرة على الاعتماد على القواعد الأجنبية والحماية الغربية، لم تثبت فاعلية حاسمة في لحظات الاختبار. يضاف إلى ذلك أن دول الخليج وكذلك الدول العربية لا تبدو على توافق كامل في رؤيتها للحرب على إيران، ولا في كيفية بناء منظومة دفاع إقليمية متماسكة.
أما المحاور التي يكثر الحديث عنها، مثل محور تركيا والسعودية وباكستان ومصر، فلا يمكن اعتبارها أحلافاً دفاعية حقيقية بالمعنى الاستراتيجي الكامل، لأن الأحلاف تحتاج إلى شراكات عميقة ومتكاملة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. كما أن تركيا بوصفها عضواً مهماً وفاعلاً في حلف الناتو لا تستطيع الذهاب بعيداً في بناء تحالف قد يتعارض مع سياسات الناتو والغرب بصورة عامة. ولذلك، تبدو هذه الترتيبات أقرب إلى مبادرات ذات أبعاد سياسية ورسائل توازن إقليمي، أكثر من كونها تحالفات عسكرية صلبة.
في المحصلة، فإن إسقاط النظام الإيراني أو فرض الشروط الأميركية كاملة لا يبدو أمراً قابلاً للتحقق بسهولة. وإذا ما جرى التوافق على إعلان مبادئ بالشكل الذي تم تسريب بعض بنوده، ثم نجحت إيران لاحقاً في الوصول إلى اتفاق شامل، فإن ذلك سيعد انتصاراً معنوياً وسياسيا لطهران، ويعيد تكريسها كقوة إقليمية أكثر فاعلية وتأثير في معادلات المنطقة. وربما يقود ذلك إلى مرحلة إقليمية جديدة تتبدل فيها فلسفات الأمن التقليدية.
ومن جهة أخرى، بدا أن الرئيس الأميركي بعد تعثر تحقيق أهداف الحرب، اتجه نحو الدفع لتوسيع “الاتفاق الإبراهيمي” وكأنه ملاذاً سياسياً وأمنياً في مواجهة تمدد النفوذ الإيراني. غير أن هذا التوجه يعكس، في نظر كثيرين، طريقة تعامل تنظر إلى الدول العربية باعتبارها أطراف تابعة وضعيفة، بصرف النظر عن حجمها أو ثقلها السياسي.
وهذا الواقع يدفع الدول العربية، والخليجية على وجه الخصوص، إلى ضرورة مراجعة سياساتها الأمنية بصورة عميقة، والعمل على بناء منظومة أمن إقليمي أكثر تكاملاً واستقلالية، بعيداً عن الصراعات البينية، وعن توظيف التنظيمات الإسلامية كأدوات نفوذ وصراع. فالتحديات المقبلة تبدو أكبر من حسابات التنافس السياسي الضيق.



