بين الصفقة والانفجار .. الشرق الأوسط في أخطر جمود استراتيجي

إنها حالة وصلت فيها كل الأطراف المتصارعة إلى وضع صعب ومرعب، لا يستطيع فيه أي طرف تحقيق نصر حاسم، وفي الوقت نفسه لا يمكن إنهاء الصراع أو التراجع عنه، لتظل المنطقة عالقة في حالة توتر دائم، وخطر متصاعد.
وضع صعب ومرعب، لأن الجمود هنا لا يعني الهدوء أو الاستقرار، بل يعني، أن الحرب مستمرة بأشكال مختلفة، القدرات العسكرية تتزايد لدى الجميع، الخسائر تتراكم، الحل السياسي غائب، واحتمال الانفجار الكبير يبقى قائمًا في أي لحظة.
في هذا السياق يعني أن حالة الجمود هذه تعني أن إسرائيل لا تستطيع القضاء نهائيًا على حماس أو حزب الله. ويعني أيضاً أن إيران لا تُهزم بالكامل ولا تتراجع عن مشروعها الإقليمي والنووي. ويعني أن الولايات المتحدة لا تريد حربًا شاملة لكنها لا تستطيع الانسحاب.
كما يعني أيضاً أن القوى المسلحة باتت تستنزف بعضها دون حسم، لتصبح النتيجة، لا سلام حقيقي، ولا حرب تنتهي.
لماذا يُعتبر الأمر خطيرًا؟ لأن هذا النوع من الجمود عادة يؤدي إلى أحد السيناريوهات .. انفجار مفاجئ واسع، نتيجة خطأ عسكري أو تصعيد غير محسوب.
أو قد يؤدي إلى استنزاف طويل الأمد، يضعف الجيوش والاقتصادات ويزيد الفوضى وعدم الاستقرار.
تخيل مباراة ملاكمة .. لا أحد قادر على إسقاط الآخر، لكن الجميع مرهق وينزف.
وكل جولة جديدة أخطر من السابقة، هذا هو الجمود الاستراتيجي المرعب .. توازن هشّ، مُكلّف، وقابل للانهيار في أي لحظة.
فهل تستعد واشنطن حقاً لحرب جديدة حاسمة مع إيران؟ تغيير اسم العملية العسكرية قد يكون المفتاح القانوني للمعركة المقبلة تبدو واشنطن وكأنها تعيد ترتيب المسرح السياسي والعسكري تمهيدًا لجولة جديدة من التصعيد مع إيران، لكن هذه المرة عبر بوابة قانونية مختلفة، عنوانها الظاهر إعادة فتح مضيق هرمز، وجوهرها الفعلي إعادة إنتاج الحرب تحت اسم جديد.
ففي توقيت بالغ الحساسية، أعلن رئيس مجلس النواب الأمريكي انتهاء عملية الغضب الملحمي، بالتزامن مع حديث متصاعد داخل الأوساط السياسية والعسكرية الأمريكية عن مشروع جديد يحمل اسم إعادة فتح مضيق هرمز.
ورغم أن التغيير يبدو شكليًا للوهلة الأولى، إلا أن مراقبين يرونه خطوة تحمل أبعادًا دستورية واستراتيجية عميقة. القانون الأمريكي يفرض على الرئيس الحصول على تفويض من الكونغرس لأي عمليات قتالية ممتدة تتجاوز 60 يومًا، وهو ما شكّل عقبة متكررة أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب، خاصة بعدما رفض الكونغرس أكثر من مرة منح تفويض مفتوح للحرب مع إيران.
لكن إعلان انتهاء العملية السابقة، ثم إطلاق عملية جديدة تحت مسمى مختلف، قد يمنح البيت الأبيض فرصة لإعادة ضبط الساعة القانونية من الصفر، باعتبار أن المهمة الجديدة تُقدَّم كعملية لحماية حرية الملاحة الدولية، لا كحرب مباشرة ضد دولة ذات سيادة.
ويرى خبراء في القانون الدستوري الأمريكي أن هذا السيناريو يمثل سابقة شديدة الخطورة، إذ يسمح نظريًا بالالتفاف على قيود قانون صلاحيات الحرب، عبر إعادة تعريف طبيعة الصراع بدلًا من إنهائه فعليًا.
مع ذلك، لا تبدو الرواية الأمريكية مجرد غطاء قانوني فارغ بالكامل، فمضيق هرمز يشهد بالفعل اضطرابًا غير مسبوق في حركة الملاحة، وسط اتهامات لإيران بفرض واقع عسكري يهدد التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. وتقول مصادر دبلوماسية إن واشنطن نجحت في حشد دعم دولي أوسع مقارنة بالمواجهة السابقة، خاصة بعد أن أبدت الصين نفسها رغبة واضحة في ضمان فتح المضيق واستمرار تدفق التجارة والطاقة.
هذا التحول يمنح أي تحرك أمريكي محتمل شرعية سياسية أوسع، ويخفف من صورة الحرب الأحادية، التي لازمت تدخلات واشنطن السابقة في الشرق الأوسط. إسرائيل تدق ناقوس الخطر، فجيشها يقترب من الإنهاك في موازاة ذلك، أطلقت مجلة إسرائيل ديفينس العسكرية تحذيرات غير مسبوقة من تدهور البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، معتبرة أن الجيش الإسرائيلي يواجه حالة إنهاك متصاعدة، في وقت تتعاظم فيه قدرات خصومه الإقليميين.
المجلة نقلت بقلق تصريحات لرئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير تحدث فيها عن عبء غير معقول على الجنود، وسط انتشار القوات على جبهات متعددة تشمل غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، إضافة إلى الحدود مع الأردن ومصر.
وبحسب التقرير، فإن إسرائيل تواجه للمرة الأولى وضعًا تنتشر فيه قواتها بهذا الاتساع الجغرافي المتزامن، بينما تحتاج المؤسسة العسكرية بشكل عاجل إلى إعادة تأهيل وتدريب وتحديث واسع للمعدات والاستخبارات.
مصر وإيران وحزب الله وحماس، معادلة القلق الإسرائيلي، المجلة العبرية لم تُخفِ مخاوفها من تعاظم القوة العسكرية الإقليمية، مشيرة إلى أن مصر تواصل تعزيز قدراتها بوتيرة متسارعة، فيما تحتفظ إيران بمخزونها النووي المثير للجدل، بينما يستعيد كل من حزب الله وحماس جزءًا من قدراتهما العسكرية والتنظيمية.
وترى المجلة أن المشهد الإقليمي بات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، مع تشابك المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتركيا ودول الخليج وروسيا والصين، في بيئة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالانتخابات والسياسة الداخلية.
ورغم الخطاب المتكرر حول نزع سلاح حماس وحزب الله ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تساءلت المجلة بلهجة لافتة .. من يملك فعلًا خطة تنفيذية واقعية لتحقيق ذلك؟ فحتى الآن، لا توجد بحسب التقرير رؤية عملية واضحة لكيفية تفكيك البنية العسكرية لحماس أو حزب الله، كما لا توجد إجابة حاسمة بشأن مصير مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم الإيراني المخصب.
وفي الوقت الذي تميل فيه إسرائيل إلى مواصلة الحرب لتحقيق هذه الأهداف بالقوة، يبدو ترامب أكثر ترددًا، ويفضل وفق المجلة البحث عن صفقة سياسية كبرى بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
لهذا يبدو الشرق الأوسط بين خيارين لا ثالث لهما .. الانفجار أو الصفقة الكبرى، الاستنتاجات التي تخلصت إليها الأوساط الإسرائيلية والأمريكية المتابعة للمشهد هو أن المنطقة تعيش حالة جمود متفجر، لا حرب شاملة حاسمة، ولا تسوية سياسية حقيقية.
إيران ما زالت تحتفظ بأوراق القوة، وحماس تواصل ترميم نفوذها في غزة، وحزب الله لا يزال حاضرًا رغم الضربات. وفي خضم هذا المشهد، تعود الأطروحات الدبلوماسية إلى الواجهة، عبر أفكار تتحدث عن مبادرات إقليمية كبرى تشمل إسرائيل والدول العربية، وربما تشكيل قوة دولية تنتشر في غزة وجنوب لبنان لضبط التوازنات ومنع الانفجار. لكن حتى اللحظة، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة واضحة .. هل ما يجري مجرد إعادة تموضع سياسي وعسكري، أم أن المنطقة تقف بالفعل على أعتاب حرب جديدة يجري تجهيز غطائها القانوني والدبلوماسي بعناية؟
محمد خالد الحسيني



