قراءة في رواية ” على النقيض من الحب ” ..

أهدتني الكاتبة الواعدة أسماء الطيري، نسخة من روايتها الأولى “على النقيض من الحب”، الصادرة عن دار عناوين Books .
وكم سعدت بالنص ومؤلفته، لا سيما ونحن في محافظة ريفية كـ”الضالع”، التي ما تزال فيها الأنثى حاضرةً بحضورها الإنساني، لكنها غائبة في مضمار الأدب والشعر العلني .
فبرغم ما تختزنه المحافظة من مواهب نسوية إبداعية، في شتى أصناف الأدب والشعر والفن، إلا أن هؤلاء المبدعات قليلًا ما يكنّ حاضرات بكتاباتهن القصصية، أو الشعرية، أو التشكيلية .
وأسماء واحدة من قلائل المبدعات اللواتي كسرن جدار العزلة، وانتصرن على الظروف المحيطة بهن، تلك الظروف التي ما انفكت تُحبط تطلعهن وتُقيد انطلاقهن .
اطّلعت على النص السردي الذي يُعد باكورة أعمال الكاتبة، وكان أول ما استوقفني، سطور عتبة الولوج إلى عالم الرواية:
“لا شيء في الوجوه أسمى من الحياة، ولا أعلم سببًا مقنعًا يدعو البشر لسلب حياة بعضهم بعضًا، إن من يتسبب في سلب الوجود أسمى أشيائه، لهو في الواقع أدنى ما فيه”.
إنها ليست مجرد عبارة افتتاحية، بل هي صرخة وجودية تختزل الفلسفة الكامنة وراء العمل بأكمله، وتضعنا مباشرة أمام السؤال الأخلاقي الأقسى: كيف يتحول الإنسان، حامل أسمى معاني الحياة، إلى أداة لإطفائها؟
ما أقسى وما أَمَرَّ ما سطرته الرائية عن فجيعة الإنسان في فقد من أحب، في فقد وطنه، في فقد أحبائه ؟ لعل مشهد وداع “ندى” لخطيبها “عمّار”، قائلة:
“حسرة أن تودع إلى الموت عزيزًا كنت تنتظر معه الحياة، أن تودع إلى الموت رفيقًا كنت تتباهى به للدروب، حسرة أن تحثو التراب على جسد حبيب كنت قد نذرته درعًا وخنجرًا للنزال الأخير من الحياة، وها أنت تودعه كأول النزالات خسارة لك”.
هنا، تتحول الكلمات إلى مرثاة حب، وإلى اعتراف موجع بأن الحرب لا تخطف الأحبة من الحاضر فحسب، بل تسرق منا المستقبل الذي رسمناه معهم .
إنها لحظة دفن للحلم، قبل دفن الجسد، حيث تُجهض الحياة وهي في ذروة تفتحها، ويصير النزال الأخير هو الخسارة الأولى والأبدية .
وعلى الجانب الآخر من الألم، يتجلى الحنين للوطن من خلال عيون المغتربين، حيث يقول “عماد” من هولندا:
“هنا كل شيء جميل وكأنما يدعوك للسعادة؛ لا حزين هنا عدا مشتاق لوطنه، تمامًا مثلي أو مثل ندى الجالسة منذ ساعات تحدق في وطنها وتتحدث إليه”.
في هذه الجملة تحديدًا، ترتقي الكاتبة بالوطن من مجرد جغرافيا مسلوبة، إلى كائن حي يُحادث ويُشتاق، إنه حضور طيفي دائم، لا يغيب حتى في قلب الجمال الغريب ؛ فالغربة، كما تصورها، ليست مجرد بُعد مكاني، وإنما هي شرخ في الروح لا يرممه جمال العالم .
أما رسالة “عمّار” الأخيرة لحبيبته “ندى” وعلى لسان رفيقه عماد ، فكانت البيان الأكثر بلاغة وكشفًا لدوافع الحرب الإنسانية:
“قل للعزيزة ندى أنني ما ذهبت لأحارب حبًا في الحرب أو رغبة في خوضها؛ إنما لكي لا أرى أطفالي يكبرون وهم يرسمون بندقية وجدرانًا منهارة، عوض أن يرسموا شمسًا ونجومًا وسماء صافية لأحلامهم”.
هنا، نكتشف المفارقة الكبرى ، الرجل الذي يحمل السلاح يكره الحرب، ويقاتل لا رغبة في القتل، بل دفاعًا عن حق الأطفال في أن يحلموا بسقف من السماء، لا أن يسكنوا تحت سقف من الخوف .
تتشابك شخصيات القصة لتنسج لوحة إنسانية متكاملة ، فالساردة “ندى” التي تحمل عبء الذاكرة والوجع، والخال “مجدي”، والطبيبة “سناء” شقيقة مجدي ووالدة ندى، والخالة “نهال”، و”عمّار” خطيب ندى وهما محور القصة، و”عماد” زميل عمار .
أما الأمكنة فتبدأ من حيث تنتهي الحكاية ، ففي العاصمة الهولندية أمستردام تستقر ندى، مما يعني أن الساردة بدأت سردها من النهاية لتستعيد البدايات، في دورة سردية تشبه دورة الحياة والموت .
وتظل “عدن” محور الأمكنة، فقد جرحت المدينة في مارس 2015م إبان اجتياح المليشيات، إلى جانب مناطق أخرى كالضالع التي تطوعت فيها الطبيبة سناء قادمة من تعز، حيثما لاقت نحبها متأثرة بقذيفة هاون في إحدى المعارك الليلية .
وكذلك “ردفان” المكان الذي ووري فيه عمار الثرى، لتتحول الأرض إلى شاهد صامت على أحلام دفنت قبل أصحابها، ناهيك عن أمكنة ثانوية أخرى مثل تعز وصنعاء والحديدة وصعدة، كأنما الجرح اليمني كله كان مسرحًا لهذه المأساة .
تختزل الرواية في صفحاتها الـ (139) الكثير من التعبيرات والدلائل الرافضة للحرب جملة وتفصيلًا، والداعية إلى السلام والمحبة والتسامح والتعايش .
بين دفتي الغلافين، سيجد القارئ ذاته إزاء مأساة حقيقية نعيش تفاصيلها جميعًا، أوقات حزينة ومؤثرة تكاد أن تكون واحدة، وكأنما السارد يتحدث نيابة عنا، نحن الشعب البائس الفقير، الذي لم يستقر له حال بسبب الأنانية الضيقة، وغلبة المصالح الذاتية، والفهم القاصر للحزبية والولاء السياسي .
إن رواية “على النقيض من الحب” ليست مجرد صرخة مدوية في وجه الساسة وتجار الحروب وحسب؛ بل هي، في جوهرها، محاولة جريئة لإعادة تعريف الحب نفسه .
الحب هنا ليس مجرد عاطفة عابرة بين اثنين، بل هو قانون كوني مضاد للفناء، هو الحياة التي ترفض أن تُسلب، والوطن الذي يأبى أن يُباع، والحلم الذي لا يموت وإن قُتل أصحابه .
لقد نجحت أسماء الطيري، في عملها الأول، أن تزرع في قلب الخراب زهرة سردية نادرة ، تذكرنا بأن كل رصاصة تخترق جسدًا، إنما تخترق المعنى الأسمى للحياة الذي تحدثت عنه في عتبة نصها .
فهل يسمع الصمُّ صوت هذه الزهرة وهي تنمو من بين الركام؟ هذا هو السؤال الذي تتركه الرواية معلقًا في ضمير كل قارئ، لعل في الإجابة عنه بدايةً لحياة جديدة .
محمد علي محسن



