كتاب عدن

وداعًا اجمل الرجال .

.

فُجعتُ الليلة بنبأ رحيل شخصٍ أحببتُه من شغاف القلب، إنه الرجل الأصيل الشهم ، الفقيد العميد/ مثنى سعيد قاسم…
يا الله، ما أقسى هذا الرحيلَ المباغت ! عرفتُه فاتحًا قلبَه قبل بوابة فندقه “النورس” في الضالع؛ كان قلبه يُستقبل الضيوف قبل أن تستقبلهم جدران فندقه .
منذ أن انتقل إلى مدينة عدن -قبل الحرب- كنتُ قد فارقتُ ابتسامتَه المعهودةَ عند استقبال ضيوفه، تلك الابتسامة التي لا تُنسى كأنها وطنٌ صغير يأوي إليه المتعبون .
افتتح فندقًا في المنصورة ، وكان يدعوني دائمًا للنزول عنده، لكنّ الأقدار شاءت ألا نلتقي ثانيةً، وبقينا على موعدٍ مؤجل مع اللقاء لم يتحقق .
بقينا نتواصل يوميًا عبر الواتساب ، كان اسمه أقربَ اسمٍ إلى قلبي، تطفو على الشاشة حروفُ اسمه فأشعر أن الحياة ما زالت بخير ، تعليقاتُه كانت أجملَ الكلام تهذيبًا وحكمةً ومودةً، كأنها بلسمٌ يُدهن به جرحُ المسافات .

هذا المثنى صنفٌ قليلٌ ونادرٌ وغالي الثمن، إنه كالألماس لا يَصدَأ بريقُه ولا يَخْبُو نورُه أينما حلّ أو ارتحل . كان كالجبل الشامخ في زمنٍ كثر فيه المتشابهون، وقلّ فيه الفريدون .

لا أحدَ يلتقي به -ولو في جلسة قاتٍ عابرة- إلا وأحبّه وأضحى مقربًا منه . كنتُ أقول له: “من يشبهك، أيها الشعيبي النبيل؟” ، وكنتُ أعنيها بكل ما تحمله الكلمات من دهشة وإعجاب . لو أن في جيشنا ضباطًا مثلك، لما خضنا صراعًا عبثيًا، ولما نزفنا في معركة خاسرة واحدة ، ولما تحولت الأحلام إلى ندوب في جسد الوطن .

لطالما حدّثني عن خدمته في الجيش، وكيف أنه تفرّغ تمامًا لعمله الخاص منذ ما بعد حرب 1994م، طاويًا صفحة الماضي بشجاعة النبلاء .
همس في أذني مبتسمًا ذات مرة، بينما كنا متوجهين إلى قرية ” حوف ‘ في الشعيب للمشاركة في صلح قبلي، وكأن الحكمة كانت تُولد من بين شفتيه :
“لقد ضاع أول العمر في شطحات وصراعات ومزايدات، والآن أريد إتمام بقية العمر بأشياء ذات نفع وفائدة لي وللناس . إنني الآن أكثر موضوعية من ذي قبل.” .
يا لها من كلمات! كأنه كان يُلخص رحلة الروح حين تعود من التيه إلى اليقين، وحين تكتشف أن العمر الحقيقي يبدأ لحظةَ نقرر أن نكون أنقياء .

سامحني يا صاحبي الجميل، فلقد نكثتُ بوعدي لك. زرت عدن مراتٍ قليلة خلال عشرة أعوام ، كانت عدن بعيدة المنال كأنها سراب، وفندقُك كان أبعدَ مما تصورت، لا في المسافة وحدها، بل في قدرتي على الوفاء بوعدٍ قطعته لقلبٍ أحبني .
صارت عدن جارةً غريبة، وصار الطريق إليها مشوارًا من الأعذار والانشغالات التي لا تنتهي ، فماذا عساني أحدثك الآن، بعد رحيلك الموجع الذي هزّ أعماقي؟ حديثي إليك صار صلاةً صامتة، ودموعي صارت كلماتٍ تبحث عنك فلا تجدك .

سأفتقد ضحكتك التي كانت تملأ المكان حياةً كأنها نايٌ راعٍ في وادٍ مسالم في شعاب قريتك ” عَنفَد ” ، سأفتقد من الآن وتاليًا منشوراتك الواعية تارةً، والهزلية تارةً أخرى، تلك المنشورات التي كانت كالمطر يروي عطش الأيام .

لن أسمع قهقهتك ثانيةً، أيها الرجل الطيب النقي، الذي لم تُلوّثه الأيام ولم تُغيّره المناصب ولم تُفسده الأحقاد . كم أنت جميلٌ في غيابك كما كنتَ في حضورك، بل لعل غيابك كشف عن جمالك أكثر، فصار كل من عرفك يبحث عن ظلك في زوايا الذاكرة .

نم قرير العين أيها المثنى ، فما متَّ بل ما زلت حيًا في قلوبنا، تسكن الذاكرة كما يسكن العطر أنفاس الورد حتى بعد أن تذبل بتلاته .
بعض الرجال يرحلون بأجسادهم ويبقون بأرواحهم، يتركون فراغًا لا يملؤه شيء، لأن بصمتَهم في الحياة كانت أعمق من أن يمحوها الموت .
كنتَ رجلًا وفيًا ونقيًا في زمن غريب وكئيب لا يشبهك مطلقًا ، واليوم، ونحن نودعك ، نعلم أن السماء حزنت برحيلك ، وأن الأرض أظلمت في عيوننا بفقدك .

خالص العزاء والمواساة إلى أسرتك ورفاقك وأصدقائك ومحبيك . داعيًا الله أن يرحمك رحمةً واسعة، ويغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، ويسكنك جنان الفردوس حيث لا تعب ولا نصب، ويلهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون ..

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى