كتاب عدن

عدن ليست موسماً للمتاجرة ولا سلماً للمصالح

دنيا خالد سعيد


في كل مرة تلوح فيها منحة أو مشروع أو فرصة دعم لعدن، يخرج علينا المتشدقون باسم المدينة وأهلها، وتتوالد فجأة التكتلات والكيانات والأحزاب واللجان التي تنصب نفسها وصية على عدن وسكانها. يتسابقون إلى أبواب المانحين، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم الممثل الشرعي والوحيد للمدينة، بينما الحقيقة أن كثيراً منهم لا يظهر لهم أثر إلا حين تكون هناك مكاسب ومنافع ومصالح.

أما اليوم، وعدن تختنق تحت وطأة انهيار الخدمات، وتعيش واحدة من أقسى الأزمات في تاريخها، فقد اختفى هؤلاء جميعاً. المدينة تغرق في الظلام بسبب الانقطاع شبه التام للكهرباء، والمياه شحيحة، والمرتبات متعثرة، ودرجات الحرارة والرطوبة بلغت مستويات لا تطاق، فيما يعاني المواطنون ظروفاً معيشية قاسية تهدد حياتهم وكرامتهم.

أين أصوات أولئك الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً باسم عدن؟ أين بياناتهم ومواقفهم؟ أين احتجاجاتهم وخطاباتهم الموجهة للحكومة والتحالف والجهات المسؤولة؟ لماذا يصمتون اليوم بينما المدينة التي ادعوا تمثيلها تنزف كل يوم؟

عدن التي فتحت أبوابها للجميع دون تمييز، ومنحت الفرصة للكثيرين حتى أصبحوا قادة ومسؤولين وأعضاء في أعلى هرم السلطة، تستحق وفاءً ومواقف صادقة، لا شعارات موسمية وخطابات انتقائية. فالانتماء الحقيقي للمدن لا يُقاس بما يُقال عند توزيع المنح، بل بما يُفعل عند اشتداد الأزمات.

لقد آن الأوان لكشف هذه الازدواجية. فمن يدّعي الدفاع عن عدن عليه أن يكون في مقدمة المطالبين بإنقاذها، وأن يرفع صوته دفاعاً عن أهلها وهم يواجهون الجوع والحر والظلام، لا أن يتذكرها فقط عندما تلوح في الأفق مكاسب سياسية أو مالية.

عدن أكبر من أن تكون غنيمة يتقاسمها المتنافسون، وأكبر من أن تُستغل باسمها المصالح الضيقة. وستبقى المدينة شاهدة على من وقف معها في محنتها، ومن جعل منها مجرد لافتة يرفعها حين يشاء ويخفيها حين يشاء.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى