انعدام الكرامة الإنسانيّة في مملكة الرّئيس

سبتمبر 09, 2015
عدد المشاهدات 1633
عدد التعليقات 0
مادونا عسكر/ لبنان
انعدام الكرامة الإنسانيّة في مملكة الرّئيس
قراءة في ” مملكة الرّئيس”- قصص قصيرة- للكاتبالفلسطيني “سعيد الشّيخ”
– العنوان العلامة: ” مملكة الرّئيس”.
يقودنا عنوان المجموعة القصصيّة ( مملكة الرّئيس) إلىتلمّس مكنون النّصوص قبل الولوج فيها. وتتجلّى في العنوان معان يترجمها الواقعالمؤلم الممتدّ من عقود بعيدة إلى عقود آتية، نحياها في ظلّ ممالك ابتناها رؤساؤها وفصلواأنفسهم عن شعوبهم، بل جعلوا منهم عبيداً لملوكيّتهم. أراد الكاتب ( مملكة الرّئيس)نموذجاً لكلّ نظام نصّب نفسه إلهاً على شعبه مطالباً إيّاه بالسّجود له وتقديمفروض الطّاعة، ضارباً بعرض الحائط كرامته الإنسانيّة.
1) الرّئيس الإله:
خمس قصص يفتتح بها الكاتب المجموعة القصصيّة تعبّر عن قدرة الرّئيس على بسط تسلّطه الشّامل على حياةالنّاس. فيستعيد ماضيهم ويبحث فيه عن أيّة هفوة مسّت بشخصه. كما يتحكّمبحاضرهم ويقتل البهجة في نفوسهم ويحرمهم من أبسط حقوقهم، ويسيطر على مستقبلهم بقمع حرّيتهم الفكريّة ومصادرةآرائهم والاستحواذ على حياتهم. كما نقرأفي هذه الافتتاحيّة التباساً بين المعنى الحقيقي للألوهية وبين مفهوم الرؤساء لها،ونتبيّن أنّ الرّئيس المنزّه يستبعد الله ولعلّه يعتبره عدوّاً له.
للرّئيس حاشية في مملكته، تحافظ على أمنه الشّخصيّوتتّخذه إلهاً لها. تلك الحاشية البائسة تشكّل عينيّ الرّئيس، تراقب تحرّكاتالنّاس وتترصّد آراءهم ملتزمة بتنفيذ شريعته، ومستعدّة دائماً للدّفاع عنهابشراسة، حتّى لو اقتضى الأمر انتزاع حياتهم. وبما أنّ هذه الحاشية عابدة لرئيسهافلا تختلف سلوكيّاتها عن سلوكيّاته. وتسمح لنفسها أن تنتهك حرمات البيوت وتغتصبأجساد وكرامات النّاس.
أظهر الكاتب إبداعاً خاصّاً في تعبيرات لخّصت فكرهالشّخصيّ وملاحظاته على آداء الرّئيس الإله في مملكته:
– ( لقد دعت ربّها أن يجلب الموت للرّئيس وعائلته).(1)
تشير هذه الجملة إلى جسارة كبيرة في سلوك الرّئيس إذيعتبر أنّ ربّ السّيدة المطلوبة للاعتقال مغاير لربّه بل لشخصه. وبالتّالي تخلقكلمة ( ربّها) صدمة لدى القارئ إذ إنّها تبيّن له القطيعة بين الرّئيس في مملكتهوبين الله. وكأنّي بالكاتب يريد القول أنّ الرّئيس لا يعبد الله أو لا يعتبرهالقدير المترفّع عن الفعل الإنسانيّ السّيّء، وإنّما ينزل الله إلى مستوى صورتهالشّخصية معتبراً أنّه يحاربه من خلال المؤمنين به.
تقابل هذه الجملة شبيهة لها: ( يا حقير هذا ربّك الأعلى، يجب أن تقدّسه!) (2). تعيدنا هذه الجملة إلى صورة الحاكم الإله في تاريخالشّرق: ( في الأصل كان الحاكم يعدّ من طبيعة إلهيّة، فهو لم يكن مختاراً منالإله بل كان الله نفسه. وقد قامت الحضارات القديمة عموماً في مصر، وفي فارس، وفيالهند، وفي الصّين على أساس هذه النّظريّة، وكان الملوك والأباطرة يُنظر إليهمباعتبارهم آلهة.) (3). وكأنّيبالكاتب يؤكّد على أنّ هذه الفكرة ما زالت راسخة في ذهن من يعتلون سدّة السّلطة.
– ( هلتسمعني يا سيّدي؟) (4)
تتكرّر هذه العبارة ثلاث مرّات حتّى يُهيّأ لنا ونحننقرأ ( أنياب ومخالب) (4)، أنّنا أمامصنم غير مبالٍ بأوجاع سيّدة انفطر قلبها علىأخيها المسجون في مملكة الرّئيس. تشكو ألمها يوميّاً بسبب الظّلم الّذي ألحقهالرّئيس وحاشيته بأخيها وبها. لا بدّ أنّ الكاتب يريد من خلال هذه القصّة تسليطالضّوء على أمرين: الأوّل، قتل الأمل والحلم ماديّاً ومعنويّاً. فالسّجن الّذينشهده في هذه القصّة لا يشكّل عقاباً على مخالفة قانونيّة، وإنّما يدلّ على قمع الحرّيّة وتعطيل الرّأي وتدميرالطّاقة الإنسانيّة الخيّرة. والثّاني، اعتبار الإنسان مجرّد سلعة وملكيّة خاصّةيمكن التّصرّف بها بشتى أنواع القبح والإهانة، إمّا بهدف إرضاء الغريزة الحيوانيّةوإمّا بهدف السّيطرة القمعيّة. فالبشر لا كرامة لهم في مملكة الرّئيس ولا قيمةلإنسانيّتهم.
– سيّد الفساد. (5)
لعلّ ( سيّد الفساد) من أروع المشاهد في هذه المجموعة.
يضعنا الكاتب أمام مشهدين متناقضين تماماً: فروض الصّلاة مقابل سلوكيّات سيّد الفساد.
يفترض التّقدّم للصّلاة نقاء ذهنيّاً وروحيّاً واتّضاعاًتترجمه أفعال إنسانيّة في الواقع. وأمّا هنا فنحن بصدد مراءٍ يصلّي مقابل أن يأخذأجره من النّاس، أي ليظهر بمظهر التقيّ والمؤمن في حين أنّه يمارس شتّى أنواعالفساد. فبعد كلّ فرض وعلى امتداد النّهار، يهتمّ ” سيّد الفساد” بجنيالأرباح من صفقات غير مشروعة، وبالتّلذّذبتعذيب المساجين من معارضيه، ثمّ التّوجّه إلى الحانات لينقض كلّ وصيّة إلهيّة.فيشرب الخمر ويلهو بألعاب المراهنات، ليخلص إلى قضاء اللّيل في زنى يشرّعه لنفسه.
قوّة هذا المشهد تكمن في أنّ الكاتب استطاع أن يجسّدالفساد شخصاً. فأخرج من هذه الشّخصيّة كلّ القبح والسّوء، فما عدنا نرى ملامحإنسان بل فساداً بهيأة إنسان، أو بمعنى أصح، جثّة بشريّة تتنفّس فساداً.
2) مقاربة نفسيّة لصاحب السّلطة.
أجاد الكاتب في ( حواريّةلصاحب السّلطة مع المرآة) (6) إبرازالمسلكيّة النّفسيّة لصاحب السّلطة، مبيّناً مواطن ضعفه واضطراباته النّفسيّة وذلكبتسليط الضّوء على جوانب شخصيّته المتسلّطة. وتمتدّ هذه المقاربة لتُظهر واقع ” مملكةالرّئيس” الغارق في شتّى أنواع البؤس الإنسانيّ، نتيجة انحرافات هذهالشّخصيّة.
تجسّد المرآة في هذا النّص مايسمّى باعتراض الضّمير، فيصوّر لنا الكاتب صاحب السّلطة يحاول السّيطرة عليها ويأمرهابإخراج صورته الجميلة: ( أنا صاحب السّلطة، آمرك بصورة تعكس قوّتي ووسامتي). وإندلّ هذا الأمر على شيء، فهو يدلّ على إدراك صاحب السّلطة لبشاعته من جهة، ومن جهةأخرى، مواجهته لهذه البشاعة تجعله مضطرباً ما يدفعه لتحطيم هذه الصّورة.
– ( لا سلطان لك عليّ)
اعتراض الضّمير لا يخضع لنزوات الإنسان، ويتجلّى في كشف ذاتيّته بوضوح تامّ فيظهرصورة الإنسان الحقيقيّة. بيد أنّه لا يعيد السّلوك الإنساني إلى حالته الأصليّةالسّليمة إلّا بقرار من الإنسان نفسه.
– ( أنا صانع الوقائع والمصائر،صاحب السّلطة الحاكم، ولي يذعن حتّى الجماد والنّبات .. وما أنتِ إلّا كائن حقير أستطيعتهشيمه بقبضتي.)
قوّة صاحب السّلطة تكمن فيصورته البشعة. بمعنى آخر، يعتبر صاحب السّلطة قدرته على الاستبداد والتّسلّطوالتّرهيب حصناً منيعاً وقيمة عظمى له. وأيّة حركة لإعادة النّظر في هذه القيمةيرهبه، لأنّه يخشى على فقدان سلطته وهيمنته، فإن فقدهما فقد قيمته الذّاتيّة.
3) اعرف عدوّك:
في ( مملكة الرّئيس) (2) يغيب عن ذهن القارئ للحظة عدوّه الحقيقيّ، ويُخيّلإليه أنّه مشتّت بين أعداء كثر. وقد يقتنع بأنّ أعداءه الدّاخليين متواطؤون معالعدّو الحقيقيّ وينفّذون هجماته بانتظام. وقد يلتبس لديه مفهوم الوطن، فيتحوّلإلى مفهوم المملكة المقتنى الخاص للرّئيس بل دولة بوليسيّة ربّها الأعلى الرّئيس،وعلى المنتمي إليها السّجود وتقديم كلّ فروض الطّاعة والولاء. في هذه المملكةالمفترضة وطناً في الأصل، يخضع المواطن للتّفتيش والاحتقار وشتّى أنواع العنفالجسدي والمعنوي لمجرّد أنّه خالف وصيّة واحدة، ألا وهي الاعتناء بصورة الرّئيس!فتتولّى الحاشية الدّفاع بشراسة عن الرّئيس الإله. يؤكّد الكاتب هذا الواقع بمشهدمميّز ولافت: ( في هذه الأثناء دوّى الصّوت. الصّوت الهادر الّذي يغطي جميع الأصوات.. صوت طائرات العدو وهي تجوب أجواء البلاد في إحدى طلعات التّحدي الرّوتينية.). معبّرةجدّاً هذه الصّورة الّتي ينقلها لنا الكاتب، المنبعثة من عمق واقعنا المذريوالمخزي والمتخبّط بين العدو المتربّص لنا وبين الرّئيس العدو.
4) أوّل الحرّيّة والكرامة:
لا بدّ أنّ الكاتب أراد استعادةالأمل من ثورات ما سمّي بالرّبيع العربي، واصفاً المشهد كنور ينكشف أمام الظّلموالقهر والاستعباد ويفاجئ الرّئيس في ظلمته الدّامسة. فسحة من الحرّيّة والكرامةحملت في ظاهرها أملاً جديداً للشّعوب المقهورة للانعتاق من مملكة الرّئيس. إلّاأنّنا سنرى لاحقاً أنّ المضمون اختلف كثيراً عن الظّاهر وحوّل مسار الثّورات إلىجحيم من نوع آخر يحوي إمارات جديدة لا تقل وحشيّة عن ” مملكة الرّئيس”.
لكنّ الأهم أن واقع الثّوراتأظهر شرخاً في النّفس الإنسانيّة، سواء أكان هذا الشّرخ في المواطن نفسه أو فيالجندي الموكل إليه الدّفاع عن الوطن أو في الجماعات المأخوذة بالدّفاع عنالعقيدة… فوجد المواطن نفسه في مواجهة مع أهله وإخوانه وأهل بلده.
تطفو على سطح هذه الثّوراتغرائز دفينة تطلق العنان للنّعرات الطّائفيّة والمذهبيّة. ولقد فجّرت هذه الثّوراتكبتاً تمرّس في الإنسان فحلّت الفوضى، واستبيح القتل، وتفرّقت العائلة، وازداد القهروالظّلم. وانتُزعت البراءة من الطّفولة وتحوّلت إلى وحش ينمو في ظلّ حرّيّة زائفة.( ما معنى الحرية لطفل مقتولة طفولته سلفاًفي عالم ليس له؟)(7)
لقد بدّلت هذه الثّورات ملامحالوطن والمواطن، ولعلّها غرّبته عن نفسه وعن وطنه وهو ما زال يحيا فيه. ( لا أ أريد الحرب … أنا لست أنا … لست أنا… أنا، هل حقاً أنا هذا الّذي في المرآة! من أنا؟ من أنا؟ وانفجر في بكاء مرير.)(8) .
هل ما نحن بصدده ثورة أم حربضارية؟ هل هي مسيرة نحو التّحرّر من العبوديّة أم نزف جراح لا تندمل؟ استيقاظالعقل في الإنسان واستعداده للاستنارة في سبيل التّقدّم أم عودة إلى عصور مظلمةيُسلَك فيها بردّات فعل غرائزية؟ تحقيق مفهوم المواطنيّة وبناء الوطن أم صراعقبائل على النّفوذ والسّلطة؟ أليس من نهاية لمملكة الرّئيس أم أنّ خلودها حتميّ؟.وتطول لائحة التّساؤلات، وقد يزداد الاضطراب لفقدان عنصر الإجابة الواضحة.
الجدير بالذّكر أن الكاتب أحسنفي مخاطبة عقل القارئ راسماً له الواقع كما هو، داعياً إيّاه بشكل غير مباشر إلى التأمّل بما آلت إليه أوضاعه. ولا شكّ أنّ هذه المجموعة القصصيّة رؤيةفكريّة تسلّط الضّوء على الواقع وتبرز ثغراته، وتقود القارئ لاستعادة المفاهيمالأصيلة للحرّيّة والكرامة. ( إنّ كسب الإنسان لحرّيّته لا يمرّ عبر تدميرطبائعه، وإن حدث هذا في لحظة من التّاريخ فإنّ تاريخاّ طويلاّ من الخراب سيعمّ) (7) .
—————-
(1) إلى الأبد- ص 5
(2) مملكة الرّئيس– ص 33
(3) الطّاغية- دراسة فلسفيّة لصور من الاستبداد السّياسي- تأليف أ.د. إمام عبدالفتّاح إمام- ص 23
(4) أنياب ومخالب-ص 15
(5) سيّد الفساد- ص 29
(6) حواريّة لصاحب السّلطة مع المرآة – ص 31
(7) عدسة الكاميرا والطّفل- ص 82
(8) البياض- ص 85



