كتاب عدن

حرب الأعصاب الكبرى .. من يملك القدرة على التحمل



لا يمكن قراءة ما يجري بوصفه صراعًا تقليديًا تُحسم نتائجه في الميدان، بل نحن أمام نمط مختلف من الحروب؛ حرب تُدار بالعقول قبل الجيوش، وبالأعصاب قبل السلاح.
إنها مواجهة يتقدم فيها التوتر كأداة، وتُستخدم الضغوط كسلاح، فيما ترتفع الأسقف السياسية إلى حدود غير مسبوقة، حتى يبدو المشهد وكأنه اختبار دائم للاحتمال والصبر، لا لحسم سريع أو قاطع.
ويخطىء من يظن أن الأزمة الراهنة مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية تقليدية، بقدر ما هي حرب أعصاب؛ حرب توتر وضغوط متصاعدة، تُدار على حافة الهاوية، حيث ترتفع فيها سقوف الخطوط الحمراء، وتتضخم الشروط والمطالب، وتتشابك الأطماع إلى حدّ يبدو معه المشهد بلا نهاية واضحة ولا مسار قابل للتراجع.
في هذا السياق، يظهر السلوك الأمريكي، وخاصة في عهد ترامب، كحركة دائمة بين التصعيد والتهدئة.
اندفاع إلى أقصى الحدود، يعقبه تراجع في اللحظة التي يُفترض فيها الثبات على الموقف، خطاب ناري وفوضوي يُلقى في الفضاء دون حساب دقيق لارتداداته أو مآلاته.
إنها محاولة لفرض سلام بطابع الاستسلام، سلام يُراد له أن يكون خضوعًا كاملًا، دون اعتراف متبادل أو احترام لحق الطرف الآخر في الدفاع عن نفسه أو تمثيل إرادته.
تُفتح أبواب الحوار شكليًا، بينما تُغلق عمليًا بأدوات الحصار والتهديد، فيتحول التفاوض إلى امتداد للضغط لا إلى مساحة للندية.
في المقابل، تتعامل إيران مع هذه المعادلة بوصفها صراعًا مع خصم لا يفهم إلا لغة القوة.
تعترف به كطرف مقابل، لكنها ترفض التعامل من موقع الضعف، تعتمد سياسة الخطوة مقابل الخطوة، مستندة إلى ما تملكه من أوراق قوة تتيح لها المناورة والمراوغة.
تُظهِر استعدادًا للحوار، ثم تعود لتثبيت مواقفها الأساسية، فتبدو أحيانًا وكأنها توافق حتى اللحظة الأخيرة، قبل أن تفاجئ الخصم برفض محسوب.
هذا الأسلوب لا يعكس ترددًا بقدر ما يعكس إدارة دقيقة للإيقاع، حيث يُستخدم عامل المفاجأة كأداة قوة.
ومن بين أبرز أدواتها، إظهار انقسامات محسوبة بين السياسي والعسكري، أو الإيحاء بوجود فجوة بين مراكز القرار المختلفة.
غير أن هذا، في جوهره، يبدو أقرب إلى تكتيك تشتيت، منه إلى حقيقة قائمة، إذ تشير القراءة الأعمق إلى أن القرار في الداخل الإيراني أكثر تماسكًا مما يُراد له أن يبدو، وأن هذا التوزيع الظاهري للقرار ليس إلا وسيلة لإرباك الخصم ودفعه إلى تقديرات خاطئة.
الولايات المتحدة، من جهتها، تمضي في استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إنهاك إيران وإخضاعها تدريجيًا.
غير أن هذه الاستراتيجية، بدل أن تحقق أهدافها بسهولة، تتيح لإيران مساحة للاستفادة منها، عبر توظيف خبرتها في إدارة الأزمات وقدرتها على الصمود تحت الضغط. فالعقوبات والحصار، رغم قسوتها، لم تعد أدوات حاسمة كما كانت تُتصوَّر من قبل، بل تحولت إلى جزء من معادلة، تعلّمت طهران كيف تتكيّف معها وتعيد توظيفها.
الحصار البحري، على وجه الخصوص، يمثل تصعيدًا بالغ الخطورة، لا لأنه يطال إيران وحدها، بل لأنه يمسّ شريانًا حيويًا للعالم بأسره.
بحيث يأتي هذا الحصار ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، فوق ما تعانيه إيران من حصار ومن عقوبات تمتد لعقود، لكن الأخطر من ذلك أن تأثير هذا الحصار يتجاوز حدود الصراع الثنائي بين البلدين، ليطال بنية النظام الدولي ذاته.
فالممرات المائية ليست ملكًا لطرف واحد، وأي عبث بها ينعكس مباشرة على مصالح دول عديدة.
من هنا، يتسع نطاق القلق الدولي، وتتعالى الأصوات المطالبة بكبح هذا المسار، ليس دفاعًا عن طرف بعينه، بل حمايةً لتوازنات أوسع باتت مهددة.
وهنا يمكن القول أن الأزمة تجاوزت حدودها، لتتحول إلى قضية دولية بامتياز، حيث تجد دول عديدة نفسها معنية بشكل مباشر بما يجري، ليس بدافع التضامن، بل بدافع المصالح الحيوية المرتبطة بحرية الملاحة واستقرار الأسواق، وهذا هو ما دفع مؤخراً، إلى اجتماع أكثر من ثلاثين دولة في لندن، لتدارس هذه الأزمة الخطيرة، وتداعياتها، ومآلات استمرار إغلاق المضيق، هذا الشريان الحيوي الفعال، لما يمثله من استراتيجية هامة، وأي مساس بأمنه هو مساس بالأمن والاقتصاد العالمي، واختلاق أي أزمة فيه، ترتد انعاكاساتها على مصالح تلك الدول بشكل رئيسي ومباشر، لذلك ترى أنه لا صمت ولا تهاون، وهذا بعينه ما يفسر تنامي تلك الدعوات الدولية، لتحرك جماعي يضع حدًا لهذا المسار، ويعيد الاعتبار لفكرة التفاوض الحقيقي بدل إدارة الصراع إلى ما لا نهاية.
في خضم ذلك، تظهر محاولات الوساطة، ومنها التحرك الباكستاني، كجهد يسعى إلى تقريب المسافات دون أن يمتلك مفاتيح الحل الحاسمة.
هي محاولات لاحتواء التوتر، لا لإنهائه جذريًا، لكنها تبقى ضرورية في مشهد يزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر.
هكذا تتكشف طبيعة هذه المواجهة .. ليست حربًا تقليدية تُحسم بانتصار واضح، بل صراع إرادات طويل الأمد، قائم على الاستنزاف النفسي والسياسي، وعلى إدارة التفاصيل الدقيقة بقدر ما هو قائم على موازين القوة.
باعتقادي هذه الحرب تحولت فعلاً إلى حرب أعصاب، حرب تعقيد المعقّد، حيث لا يكفي امتلاك القوة، بل يتطلب الأمر القدرة على استخدامها ضمن لعبة أعصاب مفتوحة، لا تعترف بالخطوط المستقيمة ولا بالنتائج السريعة.
إذن، نحن أمام مشهد لا تحكمه قواعد الحروب التقليدية، بل منطق أكثر التواءً .. من يصمد أكثر، من يناور أفضل، ومن يُحسن إدارة التوتر دون أن ينكسر.
إنها حرب لا تُخاض فقط على الأرض، بل في الإدراك والتقدير، في التوقيت والرسائل، في القدرة على تحويل الغموض إلى أداة.
لهذا، يمكننا القول مجدداً أننا أمام حرب تعقيد المعقّد بكل ما تحمله العبارة من معنى؛ حيث لا يكون التعقيد عائقًا، بل ميدانًا بحد ذاته، ومن يُجيد اللعب فيه، هو الأقدر على البقاء.
وأخيراً، هل بإمكان أي تحرك دولي جامع، التدخل فعلياً لاحتواء هذا الخناق المتبادل الذي طال تأثيره على الجميع، أم أن السؤال سيبقى مفتوحًا: من يمتلك النفس الأطول، ومن ينجح في تحويل الضغط إلى فرصة، والتعقيد إلى أداة بقاء؟

محمد خالد الحسيني

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى