ادب وثقافة

في تجلّيات الحزن الرّفيع.

مايو 13, 2015
عدد المشاهدات 1684
عدد التعليقات 0
فيتجلّيات الحزن الرّفيع.
قراءةفي ديوان ” كسارة الأحلام” للدكتورة نسرين الرفاعي
 
كما تتنقّل راقصات الباليه بخفّة ولطف على أنغام “كسّارة البندق”، للمؤلّف الموسيقي الرّوسي “تشيكوفسكي”، كذلك تتنقّلالشّاعرة ” نسرين الرّفاعي” برقّة وعذوبة في ديوانها ” كسّارةالأحلام”، على أنغام موسيقاها الشّعريّة الكامنة في عمقها الإنسانيّ.
أبيات شعريّة منسوجة بالحزن والاشتياق والحنين والألموالغضب والعنفوان والوطنيّة، تعكس لنا مكنونات شخصيّة الشّاعرة وتدخلنا إلى عالمهابسلاسة، فيطيب لنا أن نقرأ السّطور وما بينها.
 
– في جماليّات النّصوص:
تفتتح الشّاعرة ديوانها بقصيدة وفاء وامتنان لوالدها،ترسم لنا من خلالها صورة بهيّة عن هذا الشّخص الحيّ في قلبها. وإن اختصر البيتالأخير من القصيدة عمق حزنها ( عفواً أبي فأهمّ درس فاتني… كيف الحياة تكون منغير أبي؟! )، إلّا أنّ الوالد حاضر فيها وفي شخصها ككلّ. فهي تحاوره شاكرة لهمرافقتها لمسيرة حياتها باعتناء ومحبّة والديّة كبيرة. وأمّا بكلمة ( عفواً) الّتيتنقلنا إلى القسم الثّاني من القصيدة، فهي تعبّر عن صعوبة عيش الواقع بعيداً عن كنفالحماية الوالديّة والمثاليّة الّتي ربّاها عليها.
جماليّة هذه القصيدة تكمن في إظهار الحزن البعيد عنالنّواح. فالكاتبة تعبّر عن ألمها ووجعها بغياب الوالد بحزن رفيع يليق بإنسانيّته كماإنسانيّتها.
تسكب د. نسرين الرّفاعي أبياتها في قالب موسيقيّ رقيق، يتيحللقارئ أن ينتقل بين القوافي بارتياح وسلاسة دون أن يشعر بملل تكرار القافية. كأنتنهي  القسم الأوّل من القصيدة بقافيةمعيّنة ثمّ تنتقل في القسم الثّاني إلى قافية أخرى.
تلك كانت ليلتي… كنت أحسد نعمتي
أوقد الليل شموعاً… من بشائر فرحتي
أين صارت ليلتي… واستحالت نقمتي
كيف في بئر الجراح… قد تهاوت فرحتي
 
لست أنسى ليلة… كلّ ما فيها جميل
عطر الحبّ هواها… بشذى الزّهر الأصيل
وتعالت ضحكتي… في سما اللّيل الطّويل
ردّد الكون صداها… يخرق الصّمت الثّقيل….
لقد ضمّت الشّاعرة إلى جمال التّركيب عذوبة الرّنّة، وسقتقلمها من قلب طافح وروح متّقدة. كأنّي بها تعزف مكنونات قلبها على آلة موسيقيّةعظيمة ترنّمها القصائد بكلمات موسيقيّة جميلة.
 
–  في المضمون:
يطغى الحزن على قصائد ديوان ” كسّارةالأحلام”، إلّا أنّه كما ذكرنا، حزن راقٍ ورفيع، تسمح الشّاعرة من خلالهللقارئ أن يطّلع على خبراتها الحياتيّة فيشاركها حزنها وتجربتها. وهي تعبّر عنه بصدق في شتّى الحالات الإنسانيّةالمختلفة.
كلّ قصيدة في الدّيوان منقّحة بالحزن كتجربة إنسانيّةعميقة، تحاول الشّاعرة من خلالها استعادة الماضي لتعيد النّظر فيه، فتظهر لهاالصّورة بشكل أوضح. كأن نقرأ في قصيدة ( حبّ بلا رصيد):
 أتظنّ القلبأسيرك… أو أنّ حبّي حصري؟
إنّي كسرت قيودك… حرّرت بعزم أسري…
وفي قصيدة: ( العرش الخالي)
شكراً للدّرس بتجربتي… أنضجت القلب ليتعقّل
فتذكر درسك يا قلب… في أيّ قرار لا تعجل
أصبحت حكيماً… فخيار العقل هو الأفضل…
ولا يلبث الحزن أن يبلغ مداه في قصيدة ( دميتي)، حتّىنرى الشّاعرة تسكب كلّ جروحها في هذه القصيدة. فتجمع فيها الحنين، والألم،والخيبة، والشّوق، والوحشة، والتّوق إلى عناق الوالد. ولعلّ الأبيات الخيرة تعبّربقوّة عن ألمها العميق:
وجريت كي أحضن أبي… لكن صحوت بحسرتي
ما أن وصلت لحضنه… حتّى لعنت يقظتي
ووجدتني في غرفتي… أبكي وأحضن دميتي…
الدّمية ترمز إلى حنين الطّفولة وجمال الذّكريات وبراءةالطّفولة. فوكأنّ الشّاعرة تضمّها وتلتصق بها لتتمسّك بطفولتها من جهة، ومن جهةأخرى لتحافظ على الحلم الجميل البعيد عن الواقع المرير، فتتعزّى.
 
– في الوطنيّة الصّادقة:
تتجلّى الشّاعرة بأبهى جمالها في قصيدة ( نحن لها)،فتنسجها بعنفوان وعظمة إذ لا تكتفي أن تصبّ غضبها على من يمسّ بمصر، بل تستعرضتاريخاً  عظيماً بأبيات شعريّة لطيفة تظهرلنا من خلالها مصر الحضارة القديمة الجديدة. ولا تتحدّث الشّاعرة عن مصر وطنهاوحسب وإنّما عن آلاف السّنين من العظمة والقوّة والجلال. فمصر كانت الملاذ الآمنلكلّ وافد إليها، والدّولة الأغنى والأقوى. ووطنيّة الشّاعرة تبدأ من آلاف السّنينالمنصرمة وتمتدّ إلى يومنا هذا.
تقابل ( نحن لها)، قصيدة ( خوارج هذا الزّمن). تخاطبفيها الشّاعرة بني أمّتها، شاكية لهم همّها فيما يخصّ من أعرضوا عن الالتزامبأدبيّات الدّين وسلوكيّاته المرتقية بالإنسان نحو الله. ولا ريب أنّها تقصد أولئكالمجحفين بحقّ الإسلام الكريم، والسّاعين إلى تدميره بخيانتهم:
يا بني الأمّة اسمعوني أجمعين… ارتدى إبليس ثوبالواعظين
خرّبوا أرض الكنانة عامدين… قسّموا العروبة خائنين…
في هذه القصيدة تتجسّد نقمة الشّاعرة على تلك الجماعاتالفاسدة وتضعها في مصاف السّالكين ضد الله. إذ إنّها تتصرّف بما يخالف تعاليمهووصاياه.
– قد بدا فينا الخوارج من جديد… رفعوا المصاحف فوقأسوار الحديد
– جاءنا الدّجّال ينشر دعوته… يشعل النيران يزرع فتنته
– يا إلهي كم خدعتم أبرياء… نصرة الإسلام كذباً وخداع
لا تختلف ( خوارج هذا الزّمن) عن ( نحن لها ) من ناحيةالبلاغة وسكب المعاني في قالب شعريّ فصيح وكلمات رصينة تشدّنا لإعادة القراءةمرّات عدّة. فتوقظ بنا ضميرنا الإنساني وتوجّهه نحو المزيد من التّمسّك بالوطن،وتمنحنا جرعة من الأمل والقوّة والشّجاعة:
لن تنالوا الحكم فينا والزّعامة… طالما للشّعب جيشوكرامة
ذاك حكم الشّعب في ظلم العمامة… والله يفصل بيننا يومالقيامة.
 
– القصيدة الذّروة:
تشكّل قصيدة ( كسّارة الأحلام) ذروة المعاني الجماليّةفي الدّيوان.
تسافر بنا الشّاعرة إلى عالم الجمال والخيال والحبّ،وتجلسنا على سحابة رقيقة لتروي لنا حلماً ظريفاً. يهديها حبيبها كسّارة بندق،فتطير وتحلّق في عالم الخيال، فنحلّق معها ونستمتع.
معانٍ عذبة تدخل إلى قلوبنا البهجة، وترسم لنا عالماًجميلاً يسرقنا من الواقع ويطير بنا إلى عالم النّقاء. ذاك العالم السّاكن في قلبالشّاعرة والّتي تتوق إليه في نفس الوقت.
أهديتني حبيبي… كسّارة بندق
تكسر الصّعاب… وجدتني أصدّق
وطرت بالخيال… سعيدة أحلّق
كيف في ثوانٍ… فقدت كلّ منطق…
 وما يلبث هذاالحلم أن يصطدم بالواقع ويعود كلّ شيء كما كان عليه. وتتبدّل معالم الخيال ويبلغالحلم منتهاه.
حلمت كلّ يومي… وعشت في المنام
أفقت من شرودي… بحسرة الغرام
كسّارتي الجديدة… تحوّلت حطام
أم واقعي الأليم… كسّارة الأحلام؟
 

ديوان ” كسّارة الأحلام”، نفحات شعريّة رائقة،يطيب لنا أن نرتشف البراءة والجمال والحبّ من كؤوسها.  فنسرين الرّفاعي صاغت أبياتها بطيب روحها وبهاءكلماتها ورقّة مشاعرها، ونحتت أحاسيسها وأفكارها لوحات من الألفاظ والقوافي الّتييلذّ للقارئ أن يجول في رحابها.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى