كتاب عدن

أدوات العنف.. ووهم القوة



لم تعد أدوات العنف تُجدي نفعًا في إدارة شؤون اليمن. من يراهن على السلاح والمال والتضليل لفرض أجندته، نقول له بثقة إن التجارب أثبتت فشل هذا النهج؛ فأصحابه يتسلطون زمنًا ثم يهوون سقوطًا مدويًا، كأنما التاريخ يكتب نهاياتهم بحبر من تراب المعارك التي خاضوها .

خرج الحوثيون من كهوف صعدة بشعارات محاربة الفساد وإسقاط الجرعة، ليختطفوا الدولة من قلب العاصمة، وانقلبوا على مخرجات الحوار الوطني الشامل، وسيطروا على صنعاء ثم زحفوا بغرور المنتشي إلى عدن وحضرموت، ظانّين أن الجغرافيا تُورث بالحديد والنار .
واليوم ، بعد أحد عشر عامًا، يقبعون في ورطة وجودية خانقة؛ فالحكم لا يُقاس بالقبضة الأمنية وحدها، بل بالقدرة على تحقيق العدالة وصناعة الأمل وإدارة التنوع. إنهم اليوم أمام معضلة كبرى ؛ كيف تحكم شعبًا أفقرته وعزلته عن العالم، ثم تطلب منه الشرعية؟ إن شرعية القوة تذوي سريعًا حين تفتقر إلى شرعية الإنجاز .

وقبلهم جرّب الرئيس الأسبق حظه العاثر في حرب 1994م، فلم يحفظ الوحدة بل شوّهها وأورثها جرحًا غائرًا لم يلتئم، ولا تزال تداعياتها قائمة كشاهد على أن الانتصار العسكري الموهوم قد يكون هزيمة سياسية مؤجلة .

المكونات الجنوبية كررت الخطأ نفسه بالرهان على القوة دون اعتبار لتعقيدات العمل السياسي، وكأن لسان حالها يقول : ما عجزت عنه السياسة نحققه بالسلاح .
وما حدث في عدن وأبين وشبوة وحضرموت ولحج والضالع لم يكن سوى استنساخ باهت لأخطاء الماضي، حيث تتحول القضية العادلة إلى أداة للانتقام لا للبناء .

وكرّر حُرّاس الجمهورية في المخا منطق الثأر والعنف الذي أثبت فشله سابقًا، فانتقلوا من تحالف مع الحوثي إلى مواجهته، لا دفاعًا عن الدولة، بل دفاعًا عن ذات الفكرة الثأرية التي غايتها استعادة نظام مضى، وبنفس المنطق العسكري الذي لا يرى في السياسة سوى ميدان قتال آخر.

إن المتأمل في المشهد اليمني يكتشف أن العطب لا يكمن فقط في أدوات العنف ذاتها، بل في “وهم القوة” الذي يسكن العقل السياسي اليمني . إنه وهم مركّب يقوم على معادلة خاطئة : “كلما امتلكت سلاحًا أكثر، امتلكت حقًا أكبر في تقرير المصير”.

هذه المعادلة أثبتت فشلها في كل التجارب التاريخية، لكنها ما زالت تتحكم في سلوك النخب السياسية والعسكرية ، وتدفع بالبلاد نحو مزيد من التفتت والاحتراب الداخلي .
إن العنف في اليمن لم يعد مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل تحول إلى “ثقافة” تنتج مبرراتها الذاتية، وتعيد إنتاج نفسها في حلقات مفرغة من الثأر والانتقام . كل طرف يمارس العنف باسم “الحق”، وكل طرف يرى في خصمه “معتديًا” يجب رده، وهكذا تدور العجلة بلا توقف .

إن الدرس الأعمق الذي ينبغي استخلاصه هو أن الدولة لا تُبنى بالبنادق، بل بالمؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية . كل محاولات اختزال السياسة في القوة المسلحة لم تنتج سوى كيانات هشة سرعان ما تنهار عند أول اختبار حقيقي للشرعية الشعبية.
إن من يظن أنه يستطيع امتلاك الوطن بقوة السلاح وبمنطق القهر والإذلال للأخر ، لم يقرأ التاريخ جيدًا؛ فالتاريخ اليمني مليء بالأحداث القاسية والمؤلمة ، وبالاسماء المستبدة التي حكمت حقبًا بالقهر والإخضاع ؛ فمثلما تربعت عروشها بالسيف والدم سقطت بالسيف والدم ، فلم يبقَ منها إلا القليل والنادر أن وجد .

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى