ساعة الحقيقة في إسلام آباد.. العالم يغلي ضد الاحتلال وترامب يلوّح بنموذج فنزويلا

أ.د. رفعت جبر
بينما تحبس الأنفاس ترقبًا لنتائج المفاوضات المصيرية الجارية في إسلام آباد “الليلة”، يجد الكوكب نفسه أمام مفترق طرق تاريخي؛ فالمشهد العالمي ينقسم بين قطبين: انفجار شعبي ودبلوماسي غير مسبوق ضد ممارسات الكيان الصهيوني تحول إلى “تمرد سياسي” شامل، وإصرار من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ما أسماه تصحيح “فوضى 47 عامًا” عبر استراتيجية الخنق الكلي تحت مسمى “نموذج فنزويلا”.
أولًا: الزلزال الدبلوماسي وسقوط “حصانة” الاحتلال
في زمنٍ اختلطت فيه أوراق اللعبة الدولية وتعرّت فيه الأخلاق تحت وطأة المعايير المزدوجة، يبرز زلزال سياسي يعيد صياغة مفهوم القوة؛ حيث بدأ العالم يتعافى من “فوبيا” الصمت عبر حصار أخلاقي وقانوني غير مسبوق للكيان:
• تفكك الدروع الأوروبية: انهار الدرع الدبلوماسي لإسرائيل فعليًا بسقوط “حائط الصد” في المجر برحيل فيكتور أوربان، مما فتح الباب لتمرد تقوده إسبانيا التي ردت على التهديدات الأمريكية بالتقارب مع التنين الصيني والمطالبة بجيش أوروبي مستقل.
ولم تكن روما بعيدة عن هذا الحراك؛ حيث فجّرت رئيسة وزراء إيطاليا ‘جورجيا ميلوني’ مفاجأة سياسية من العيار الثقيل بإعلانها تجميد العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل بشكل كامل، ورهنت استئنافها بالإنهاء الفوري للحرب.
هذا الموقف الإيطالي لا يمثل مجرد ضغط اقتصادي، بل هو طعنة في قلب التحالفات التاريخية التي كانت تعتمد عليها تل أبيب في القارة العجوز، وإشارة واضحة إلى أن ‘براغماتية اليمين الأوروبي’ بدأت تنحاز لغضب الشارع وقيم الاستقرار على حساب الدعم الأعمى للكيان.
• ثورة الحلفاء والقوى الإقليمية: يشتعل الشرق بتصعيد تركي يلاحق قادة الاحتلال بتهم “الإبادة الجماعية” مع لوائح تدخل عسكري مباشر، وهو ما يعزز الرؤية المصرية الاستشرافية منذ 2015 بضرورة تشكيل قوة عربية مشتركة لمواجهة التحديات الوجودية، في حين تبرز كندا كحليف متمرد يرفض استمرار نزيف ميزانيته لصالح واشنطن.
• معادلة الشعوب: من سيول التي شبهت الجرائم بمآسي الحرب العالمية، إلى أيرلندا التي هشمت “فأس غضبها” طائرات الشحن الأمريكية؛ يبدو أن الشعوب قررت إنهاء زمن الحصانة المطلقة، مؤكدة أن القوة الغاشمة لم تعد كافية لفرض الأمر الواقع.
ثانيًا: عقيدة ترامب.. “نموذج فنزويلا” لإعادة هندسة المنطقة
وسط هذا الانهيار الأخلاقي للكيان، يتحرك ترامب ببراغماتية حادة، رافضًا وصف عملياته بـ “البطيئة”، ومؤكدًا أن الحسم العسكري تم بالفعل. هو الآن يطبق “نموذج فنزويلا” (الخنق الممنهج حتى التغيير الجذري) لإخضاع طهران، مراهنًا على أن الحصار البحري المحكم وتهديده بتدمير “البنية التحتية للطاقة” سيجبر النظام في محادثات إسلام آباد الليلة على رضوخ نهائي ينهي الطموحات النووية والصاروخية للأبد.
ثالثًا: ما وراء الستار.. استراتيجية “التنين والدب”
إذا فشلت مفاوضات الليلة وانتقل ترامب لمرحلة “تدمير الجسور”، فإن روسيا والصين لن يقفا في مقاعد المتفرجين، لكنهما سيعتمدان استراتيجية “الحرب الهجينة”:
1. روسيا (المساندة المشاكسة): ستمنح طهران “مظلة تكنولوجية” (S-500) لتحييد الصواريخ الأمريكية، مستفيدة من استنزاف واشنطن في مستنقع إقليمي طويل يخفف الضغط عنها أوروبيًا.
2. الصين (دبلوماسية الخناق الهادئ): سترد بـ “حرب اقتصادية” موازية وتفتح خطوط إمداد خلفية لإفشال الحصار الأمريكي، لمنع ترامب من تحقيق “انتصار مطلق” يعيد صياغة العالم وفق الهوى الأمريكي المنفرد.
رابعًا: السيناريوهات المرتقبة (2026 – 2027)
يتأرجح المشهد قبل انتهاء الهدنة (يوم الأربعاء) بين مسارين:
• سيناريو “اتفاق الساعة الأخيرة”: قبول طهران بالواقع مقابل رفع تدريجي للعقوبات، وهو ما سيجنب العالم حرباً ثالثة، لكنه سيكرس واقعاً يكون فيه الكيان الصهيوني منبوذاً عالمياً ومعتمداً كلياً على الحماية الأمريكية.
• سيناريو “الانفجار الكبير”: دخول المنطقة في “حرب البنية التحتية” التي قد تجر القوى الكبرى لصدام مباشر؛ حيث تسعى موسكو وبكين لتحويل إيران إلى “ثقب أسود” يستنزف موارد إدارة ترامب بانتظار من يسقط أولاً في اختبار النفس الطويل.
الخلاصة والتحليل النهائي
نحن أمام “حرب عالمية باردة بأسلحة ساخنة”. ترامب يحاول “كيّ الوعي” الإيراني، بينما تحاول روسيا والصين “استنزاف الإرادة” الأمريكية. السيناريو الثاني يعني أن إيران ستكون ساحة لتصفية حسابات دولية كبرى، حيث يكتفي الكبار بالدفع بالوكلاء وتزويدهم بالسموم، بانتظار من يسقط أولًا في اختبار النفس الطويل.
إن العالم اليوم لا يشهد مجرد تغيير في الحكومات، بل إعادة صياغة لمفهوم القوة والشرعية الدولية. ترامب يقامر بكل أوراقه في “ليلة إسلام آباد”، والمنطقة تقف أمام خيارين: إما ولادة “صفقة القرن” الكبرى التي تنهي فوضى العقود، أو انفجار إقليمي يعيد العالم إلى عصور الحرب الكبرى.
لا جدال أن النهاية دائمًا لا تصب في مصلحة الظلم مهما امتلك من أدوات الخداع؛ فالمشهد الذي يتغير بسرعة مخيفة يوحي بأننا بصدد ولادة نظام إقليمي جديد تنهار فيه الأقنعة وتنكشف فيه الحقيقة كاملة أمام أعين العالم. الأرض بدأت مراحل العلاج.. والسؤال هو: هل سيحتمل جسد النظام العالمي الحالي آلام الجراحة؟اليوم السابع



