قراءة في رواية ‘ مرايا الغياب ” للكاتب فؤاد مسعد ضيف الله

دعوةً ملهوفة لملمة ما تبقى من الروح !
رواية “مرايا الغياب”، باكورة الكاتب والشاعر البديع فؤاد مسعد ضيف الله . يا لها من قصةٍ آسرة! فمنذ عتبة الإهداء، يستشف القارئ أنه أمام نصٍ سردي بديع، عميق في ثيمته وغايته ، إذ أهدى الكاتب روايته ذات الـ 250 صفحة :
“إلى الذين رحلوا في سنوات الجدب وهم يرقبون ‘سُهيل’ الخصب والمطر.. إلى الذين أودعوا أحلام العودة في حقائب المنفى، وما زالت أطيافهم ترفرف على ضفاف الأمل.. إلى الجيل الذي اجترح الحلم والثورة، والجيل الذي ظل يحرس الضوء والذاكرة، والجيل القادم، وعدًا يتشكل في الغيب ليحمي الغد، ويكمل الحكاية”.
هذا الإهداء ليس مجرد كلماتٍ عابرة، بل هو مفتاحٌ سحري يُفتح به مغاليق النص ، وتتكثف فيه روح الرواية كلها؛ إنه إعلانٌ بأن ما سنقرؤه ليس حكايةً عن الماضي فحسب، بل هو صلاةٌ حارّة من أجل المستقبل .
القصة إضافةٌ جديدة ومائزة إلى أدب الحرب، لكنها لا تقتصر على حربٍ بعينها، بل تأخذنا في تجوالٍ مؤلم عبر حروب وصراعات عدة . تتنقل بنا الجغرافيا الروائية من المناطق الوسطى إلى عدن وأبين والضالع ولحج، ثم إلى بيروت حيث تطوع حميد لقتال الجيش الإسرائيلي إبان اجتياحه للعاصمة اللبنانية عام 1982، وصولًا إلى خلافات الرفاق بعد الاستقلال، وحربَي زمن دولة الوحدة . وكأن الكاتب يخبرنا أن الحرب لا تنتهي بانتهاء المعركة، بل تستمر في الروح، في الذاكرة، وفي مصائر البشر .
الحقيقة أنني أعجبت بقدرة الكاتب على توظيف مخزونه الهائل من المعرفة والذكريات والحكايات، التي صاغها من أفواه أولئك الرجال والنساء والشيوخ الذين عاشوا حقبة التشطير، أو ناهضوا النظام القائم في الشمال بقوة السلاح والدم والخوف، طلبًا للتغيير . إذن هي رواية الأصوات المتعددة، حين يتحول السارد إلى مُصغٍ أمين لهمسات من رحلوا وضحكاتهم ودموعهم .
قصةٌ تسرد حياة ثلاثة أجيال، أو أربعة، بتفاصيل حياتهم اليومية ؛ أحلامهم وآمالهم، خيباتهم وانكساراتهم، فرحهم وحزنهم، وجودهم واغترابهم، حماستهم وحماقاتهم، بداياتهم ومنتهاهم . وكأن الزمن في الرواية ليس خطًّا مستقيمًا، بل هو مرايا متقابلة تعكس بعضها بعضًا، في لعبة غياب وحضور لا تنتهي .
بقيتُ متسمّرًا أمام كل كلمة وسطر، مستغرقًا في ماهية الرسالة التي أراد النص إيصالها ، وفي قمة الجمال تأتي سيرة حميد، الفارّ من المنطقة الوسطى “دمت” إلى عدن .
وكم تساءلتُ بقلق وشجن عن زوجته الجميلة “أمل”، أو “انتصار” باسمها القديم، الموازي لأسماء أشقائها: ناصر ومنصور، الثائرَين على الاستعمار البريطاني، والمتأثرَين بالزعيم الخالد جمال عبد الناصر . وبعد الاستقلال، فرا من أبين، مسقط رأسهما، إلى البيضاء، ومن ثم صنعاء، والرياض . رحلة المنافي المتتالية، حيث يصبح الوطن حُلمًا محمولًا في حقيبة.
أحببتُ الشخصيتين: حميد وأمل، وولعتُ بقصة ابنتيهما صمود وأروى ؛ “صمود” تيمنًا بصمود والدها ورفاقه في المقاومة في لبنان . عشتُ تلك التفاصيل الدقيقة لحياة الناس في الريف، وتحديدًا القرى الواقعة على ضفتَي دلتا بنا . حدّقتُ معهم في النجوم وانتظرتُ سهيل الخصب والمطر، ذلك النجم الذي يربط الأرض بالسماء، والجدب بالرجاء.
مجريات الأحداث في عدن، من الشقة التي سكنها حميد وزوجته أمل بصحبة الفتاتين صمود وأروى، وكذا نسوة الجيران ولقاءاتهن المعتادة ونقاشهن في شؤون المعاناة اليومية، كلها مشاهد تُرسم برهافة من يقدّس تفاصيل الحياة البسيطة .
كانت عدن مركزًا ومنطلقًا لأحداث القصة، منها يأخذنا السارد إلى أمكنة متعددة ثم يعود بنا إليها . حميد، الفتى النبيل الذي اضطرته مقاومته للنظام في صنعاء إلى حزم أمتعته والرحيل مطلع السبعينيات ليستقر في عدن، تاركًا خلفه والدَيه وأحبابه وذكرياته ومرابع طفولته .
لكنه، وكلما غاب عن مسقط رأسه، وجد ذاته عائدًا إلى المكان ، وهنا تكمن المفارقة الوجودية ، أن تحمل وطنك في داخلك، فلا أنت قادر على البقاء فيه، ولا أنت قادر على مغادرته .
المؤلم حقًا أن حميد ظل مؤمنًا بذلك المبدأ الذي ظنه عادلًا وجديرًا بأن يموت في سبيله، ثم رآه بعينيه يتسرب كالماء من بين أصابعه . ورغم خيبات الواقع، بقي مؤمنًا به حتى توفاه الله. وأكثر من ذلك، إذ أخذت ابنتاه عنه تلك الروح المشتعلة بالمقاومة والأسئلة والحيرة والحب والحنين لكل تلك المبادئ الثورية .
فطالما خاضت صمود جدلًا مع مدرسها في كلية الحقوق، بأن الإخفاق نتاج ممارسة، وليس بسبب نظرية ورؤية ، وكأن النص يقول لنا : الفكرة لا تموت، بل تُستأنف في أجساد أخرى، في أصوات أخرى، في أحلام أخرى .
ومن المفارقات اللذيذة أن المدرس منصور، المنافح عن قيم ومعتقدات مغايرة حملها معه من حياته في صنعاء والرياض، يصير زوج صمود، بعد أن تهتدي إلى معرفة جذوره الأبينيّة . وبمساعدة والدتها، تكتشف أن منصور لم يكن سوى ابن خالها ناصر، الذي فرّ فجر إحدى الأيام الهائجة بالشعارات الصاخبة إلى البيضاء . إنها لعبة الأقدار التي تعيد تشكيل المصائر، وكأن التاريخ يعيد كتابة نفسه من خلال الحب .
وهنا لا بد أن أذكر بعضًا من حوارات حميد مع الخبير الزراعي رستم كريموف، الذي عمل معه في دلتا تُبن، ومن خلاله تعرف على البلاد الواقعة وراء النهرين “أوزبكستان”. هذه النقاشات أعدّها الأجمل في الرواية، بالنظر إلى عمقها ودلالتها الفلسفية والوجدانية .
فهذا الخبير الآتي من وطن الشيوعية كان مهتمًّا بأحاديثه عن الدين ودور العبادة والتراث الإسلامي، واضعًا حميد في أزمة وجودية بسبب قناعته المغايرة . هنا وجدت المؤلف يعرج بنا على جناحَي طائر إلى سمرقند وبخارى، حيثما تلتقي الأنهار والحضارات . لحظة سمو روحي، تتجاوز فيها الرواية المحلي إلى الكوني، ليغدو الإنسانُ سؤالًا واحدًا في كل الجغرافيات .
ومن أثيرة المقتطفات التي أثرت في ذهني:
“أنا وانته نشبه الوادي، يأتي من مساقط بعيدة، ويجري فوق جغرافيا ممزقة..”
“أوزباكستان، عليك أن تتخيلها كقلب مفتوح ينبض في جسد آسيا، إنها ابنة النهرين العظيمين اللذين سقيا الحضارات منذ الأزل: أموداريا النهر الهائج الذي يروي حكايات الغزاة منذ الإسكندر الأكبر، وسيرداريا الذي ينساب صابرًا كأنه حكيم قديم ويسمى ‘أبو الأنهار’.
أهم المدن سمرقند، ياقوتة الشرق، وإحدى أعرق المدن… في الوقت الذي كان تيمورلنك يحرق ويدمر كل ما يقف في طريقه، كان يجلب ما ينهبه ويعيد بناءه في عاصمته سمرقند، ولذلك يقال إن سمرقند بُنيت من جماجم المدن الأخرى.”
“اغترف حميد بيده غرفة ماء عكّره الطمي وقال متأملًا في المياه: ‘أنا أنتمي لهذا الوادي، جئت من منابعه، واليوم أقف عند نهايته’.
ابتسم رستم كريموف وأجاب: ‘أنت مثل الوادي يا صديقي، بدأت حيثما بدأ، ووصلت إلى حيث يلفظ أنفاسه الأخيرة’. فرد حميد: ‘لكنه يعرف طريقه أكثر مني، فلم يتسرب إليه التردد يومًا، ولم يكتنف الغموض خط سيره’.”
“قالت صمود: ‘اليوم اكتملت الدائرة، فالطفلة التي كانت تنتظر أباها على حافة الغروب، باتت امرأة تنتظر زوجها عند أطراف الغياب’.”
“أمل كانت تقف بين مرايا الغياب بأشكالها المختلفة: الموت، الرحيل الإجباري، وجع الذاكرة، وحزن صامت، يقتات على القلب يومًا بعد يوم.”
في “مرايا الغياب”، لا يكتب فؤاد مسعد ضيف الله روايةً عن الحرب والمكان والمنفى بقدر ما يكتب ترنيمةً حزينةً ومضيئةً في آنٍ معًا، ترنيمةً للذاكرة التي ترفض أن تموت.
إنه يخبرنا، عبر طبقات السرد العميقة، أن الغياب ليس ضد الحضور، بل هو وجهه الآخر، وأن كل راحل يترك خلفه مرآةً تعكس صورته للأحياء، كي يكملوا الحكاية.
إن ما يجعل هذا العمل الأدبي استثنائيًا هو تلك القدرة العذبة على تحويل الهزيمة إلى سرد، والانكسار إلى معنى، والرحيل إلى شكل من أشكال البقاء . فعندما تروي أمل حكايتها، وعندما تنتظر صمود عودة الأب والزوج، وعندما يغترف حميد غرفة ماء من النهر الذي بدأ من وسط إب ، فإنهم جميعًا يقاومون الفناء بالحكي، ويبنون من الغياب وطنًا لا تسقط جدرانه.
وهنا تكمن جمالية الرواية: فهي لا تمنحنا نهايةً مغلقة، وإنما تتركنا أمام مرايانا الخاصة، أمام أسئلتنا الكبرى عن الوطن، عن الحلم، عن الخيانة والأمل . إنها تهمس في آذاننا بأن كل جيل مطالب بأن “يحرس الضوء والذاكرة”، لا كي ينتصر في معركة عابرة، بل كي تبقى الحكاية مفتوحة، يكتب فصولها القادمون، أولئك الذين هم “وعدٌ يتشكل في الغيب”.
إن “مرايا الغياب” في نهاية المطاف، ليست إلا بحثًا مؤثرًا وعميقًا عن وجهنا الجمعي الضائع في شظايا التاريخ، ودعوةً ملهوفة لأن نلملم، بالكتابة والحب، ما تبقى من الروح، قبل أن يتسرب كل شيء كالماء من بين الأصابع .
محمد علي محسن



