شؤون محلية

الدولة في الشمال اليمني والانتكاسة في الجنوب.. التحالف العربي إلى أين !!؟

ديسمبر 16, 2017
عدد المشاهدات 802
عدد التعليقات 0
كتب/عبده النقيب
ما أشبه الليلة بالبارحة.. حقا المسرح السياسي اليمني الراهن يكاد يتطابق مع ذلك الذي عاشته في الفترة التي ابتدأت بمؤتمر “خمر” الجمهوري الملكي في نوفمبر 1965 واكتملت بمرحلة تشكيل خارطة مستقبل اليمن الشمالي بانقلاب 5 نوفمبر 1967 والتي أفضت إلى اغتيال الجمهورية تحت يافطة المصالحة الملكية الجمهورية. في نفس تلك اللحظات نال الجنوب استقلاله وتمكنت الجبهة القومية من الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح والشروع في بناء الدولة الجنوبية المستقلة في قرارها السياسي.
اليوم يتكرر المشهد ولكن بشكل معكوس فالحوثيين استولوا على السلطة في الشمال عبر قوة السلاح ويواجهون التحالف العربي وخاصة دولتي الإمارات العربية والمتحدة والمملكة العربية السعودية اللتان يدمران اليمن بحجة مواجهة المد الإيراني والأفكار الشيعية .. الحوثيون تيار ثوري راديكالي استمد قوته ونجاحه من الالتفاف الشعبي العارم وخاصة في مناطق الهضبة التي يسود فيها المذهب الزيدي لأكثر من  ألف ومائة عام,  وهكذا كانت الجبهة القومية التي ناصبتها العداء دول الجوار حينها بحجة مواجهة المد الشيوعي.. الجنوب شرع في بناء دولته بقيادة الجبهة القومية وسقط الشمال تحت الوصاية السعودية التي أجهضت كل المحاولات في بناء الدولة, فالحوثيون اليوم يبنون دولة اتفقنا معهم أو اختلفنا وهو امر بالغ الأهمية وحجر الزاوية في أي مشروع وطني مستقبلي بغض النظر عن التوجه السياسي فهذا الأمر قابل للتصحيح والتعديل والإصلاح وعلى العكس سقوط الجنوب في أحضان الوصاية الإماراتية التي أجهضت مشروع المقاومة الجنوبية وستسعي لوأد أي محاولة لبناء الدولة بنفس الطريقة وبنفس الآلية التي تم التعامل بها مع الجمهورية العربية اليمنية في القرن الماضي, مجرد ولاءات ومراكز قوى يحركها الخارج لمواجهة أي عمل تنموي جدي.
لست من المؤمنين بنظريات الصراع الشيعي السني أو الإسلامي المسيحي وحتى اليهودي اللاسامي فمظاهر هذه الصراعات التي يسقط فيها عدد كبير من الضحايا المشبعين بالعفوية والحماس هي في حقيقتها صراعات سياسية تحركها مصالح اقتصادية لقوميات او جماعات أو نخب سياسية معينة. لاشك أننا اليوم أمام عدد من المشاريع والأجندات الإقليمية والدولية فإيران لها مشروعها ومصالحها وتركيا وإسرائيل وغيرها وكل هذه القوى الإقليمية الكبيرة تستهدف وتتنافس على تقاسم الكعكة العربية, ولكن وبكل اسف فإني عاجز عن فهم ملامح المشروع العربي والأجندة العربية وخاصة الخليجية منها هذا ان كان هناك مشروع من اصله.  المملكة العربية السعودية هي الدولة الكبرى التي تمتلك إمكانيات ضخمة قادت بدلا من ان توظفها في مشروع التكامل العربي قادت معركة إجهاض حركة التحرر العربية والمشروع القومي الناصري خلال النصف الثاني من القرن الفائت ومنذ بداية القرن الحالي تعمل بهمة في تدمير العراق وسوريا واليمن وتفكيك مجلس التعاون لدول الخليج العربي نفسه وتخوض هذه المعركة الكبرى والخاسرة تحت يافطة  المد الفارسي ولكنها في الواقع تمزق النسيج العربي وترميه بلدا بعد آخر إلى أحضان القوى الإقليمية وايران في مقدمتها التي تحقق كل هذه المكاسب العظيمة دون إي كلفة تذكر.
لست ضد التحالف العربي باي حال من الأحوال, فدول الخليج والمملكة العربية السعودية هي محيطنا الجغرافي ونشترك معها في نسيجنا الاجتماعي وهي متنفسنا واي استهداف لهذا الدول لن يستثني احد منا حتى أولئك الذي يعيشون في شمال أفريقيا ولانحتاج للتدليل على ذلك فمن يستهدفنا هي مشاريع قومية مختلفة بما تحمله من مصالح اقتصادية وأهداف سياسية وثقافية وتاريخية  تقوض وجودنا او تتنافس معنا على الأقل فيكفي ان ندلل كيف تم التحشيد لتدمير العراق بحجة إسقاط نظام صدام حسين وكم هي الكلفة التي ندفعها جميعا من جراء تلك الجريمة واكثر من يدفع فاتورتها اليوم هي المملكة العربية السعودية دون ادنى شك.
بكل اسف لم يستفد الأشقاء في المملكة ومعها اليوم الإمارات العربية من دورس الماض والنكبات التاريخية التي ساهموا في صنعها فمازالوا يعملون بهمة ونشاط في تطبيق هذه السياسة اليوم في بلدي الجنوب.
ثلاث سنوات عجاف وهم يجتثون كل ما تبقى من آثار مهلهلة وممزقة من بقايا دولة الجنوب ومما خلفت  قوات وجيوش صالح التي احتلته وعاثت فيه فسادا. ان ما جرى خلال السنوات الماضية  منذ أن تدخل التحالف العربي عسكريا في الجنوب من عبث واحتواء للثورة ليس عمل عفوي او أخطاء غير مقصودة بل انه عمل منهجي يسعى لإجهاض مشروع الدولة الجنوبية تنمويا وسياسيا وهو امر لم يعد خافيا. لم يشفع للجنوبيين تحالفهم مع التحالف العربي وتضحياتهم التي حققت النصر العسكري الوحيد في هذه المعركة العبثية, فقد تكشف مؤخرا مخطط إعادة الشاووش علي عبدالله صالح وحاشيته المتربعة على عرش الفساد وأكوام الجريمة الى السلطة وتحويل الجنوب الى  حاضنة له مقابل تقاسم الجنوب بين دولتي الإمارات العربية وحاشية صالح  ضاربين بعرض الحائط بكل تضحيات الجنوب وإرادة شعب الجنوب لان الإمارات كما يبدو ترى في وجود اي تنمية حقيقية في هذا الجنوب بمثابة نكبة اقتصادية لها. أسئلة كثيرة تضع نفسها علينا اليوم بقوة.. لما كل هذا العبث والاستهتار بثورة وشعب قدما التضحيات الكبيرة للدفاع عن الكرامة والحرية التي اعتدت عليها قوات وجحافل الرئيس اليمني صالح.. ألا يتذكرون إننا كنا اكثر من أي قوم آخرين نناضل لتوحيد اليمن وبناء الدولة بذلنا في سبيل ذلك الهدف النبيل كل ما لدينا, وما أن تم الغدر بنا والاعتداء على كرامتنا حتى انتفضنا وامتشقنا السيوف ثأرا نطلب الموت دون الذل ونفتش في جذورنا في أعماق الممالك التاريخية الجنوبية للعربية السعيدة. ترى هل يدرك هذا إخواننا في العروبة والدم والدين الذي حولوا الجنوب إلى غابة تسرح فيها المجاعة والمرض وأمراء القتل والاغتيالات باننا لن نسكت.
مرة أخرى لست مع الأجندة التركية أو الإيرانية والإسرائيلية أو الأمريكية وغيرها ولست ضد التحالف العربي ولست ضد إخواننا في اليمن بل نحن مع حريتنا وكرامتنا وعزتنا ومن يعتدي عليها فهو عدو مبين ولن نتردد في التصدي له بشتى السبل فهل يصغي إخوتنا في العروبة قبل فوات الأوان. نهمس مرة ومرات في آذانهم بانهم يدفعون الجنوب في الاتجاه الخاطئ واذا وقف الجنوب في المواجهة معكم فأنكم في خطر غير مسبوق لن يكون لديكم وقت لتندمون.
لن أعود كثيرا للسياسة الخاطئة التي انتهجت من قبل الدول المحيطة باليمن على مدى ستة عقود فوأد مشروع الدولة في الشمال خلق هذه الفوضى الخطيرة وهاهم يفعلون ذلك بإصرار في الجنوب. لكم أن تتخيلوا وجود دولة يمنية قوية تتكامل مع محيطها العربي ولن نطمع لو طلبنا باستثمار هذه الدولة الغنية بربع المبالغ التي تصرف على تدمير اليمن بل يكفي أن يتركوها وشأنها  فكم كانت ستشكل حائط  امن وحماية وعمق استراتيجي للخليج والجزيرة كلها. أنتم في الواقع لا تصارعون ايران بل تدمرون اليمن  وتشعلون النار في معاطفكم, أهكذا تدار المعارك ياعرب !!؟.
مازال هناك بصيص من امل أن يراجع الإخوة سياساتهم ويوقفوا هذه الحرب العبثية لمساعدة إخوتهم في اليمن شماله بجنوبه للوصول اللي سلام دائم عبر حوار بين مختلف أطرافه للتوصل الى حلول جذرية لكل مشاكله وخاصة قضية الجنوب .. لم يعد الظرف الدولي أو الإقليمي اليوم حتى يتشابه مع ما كان عليه قبل خمسة عقود والمملكة العربية السعودية رفعت شعار الإصلاح السياسي والاقتصادي والديني الداخلي وحتى تنجح في ذلك وهو ما نتمنى لها,  عليها أن تقوم بإصلاح سياستها الخارجية وفي المقدمة منها تعاملها مع دول الجوار.. اليوم دول الخليج وفي مقدمتها السعودية لم يعد تحالفها مع أمريكا والغرب محل ثقة بل أن أمريكا تلف الحبال حول عنق المنطقة باسرها لشنقها بعد ان تستنزف كل ثرواتها.
وأخيرا رسالتي لشعب الجنوب والمجلس الانتقالي الذي خيب ظن الشعب الجنوبي .
السكوت عن الخطأ جريمة نرتكبها بحق انفسنا فكل صمت او تجاهل يجعلنا ندفع الثمن إضعافا مضاعفة.. فلا بد من اجتثاث بقايا دولة الفساد والاحتلال التي تسعى الإمارات العربية اليوم لإعادتها عبر السياسية المنهجية في تجويعنا وتركيعنا وبيعنا .. لابد من مصارحة التحالف بضرورة تصحيح العلاقة وعد الاعتداء على الإرادة الشعبية الجنوبية قبل فوات الأوان فالعلاقة السليمة هي مصلحة عليا وضرورة لكلا الطرفين فنحن لن نقبل أن نكون ذيول أو شبه دولة ولسنا في مهمة تحرير اليمن الشمالي بدلا عن أبناءه  فالأولى بنا أن نحرر الأراضي المحتلة في حضرموت وشبوه وأبين والأولى بنا أن نبني قواتنا الجنوبية وجيشنا الجنوبي من أبطال المقاومة وشباب الجنوب والذي سيضعنا في موقع المفاوض الندّي مع الإخوة في الشمال من اجل إحقاق الحق  بدلا من أن نؤسس مليشيات وولاءات لمعارك جنوبية جنوبية ليس لها نهاية. ولما نرسل شباب الجنوب إلى محارق الموت في المخا يقتلون ويقتلون,  فاليمن الشمالي ليسوا بحاجة الى بشر يقاتلون نيابة عنهم ولسنا في معركة اجتثاث ما يعتقد به الحوثيين فذلك امر لا يعنينا في الجنوب بالبته.
لا يمكن أن تنطلي علينا ذريعة مواجهة المد الفارسي,  فالإمارات العربية المتحدة هي الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران في المنطقة كلها ورئتها التي تنفست بها طوال العقود الثلاثة من الحصار الدولي المفروض عليها, فحقيقة المعركة اليوم لها علاقة مباشرة بالصراع الدولي والإقليمي والتنافس المرتبط بمشروع  طريق الحرير بشقية البحري والبري الذي سيعيد تشكيل العالم باسره. تعد عدن والشريطين البحري والبري الجنوبيين نقطة استراتيجية هامة في اطار هذه المشروع الاقتصادي والثقافي الكبير فبالإضافة إلى الموقع البحري الهام للجنوب في خط طريق الحرير فانه أيضا يمكن أن يربط القرن الأفريقي ووسط وشرق وجنوب القارة بجسر بري لا يزيد عن خمسة وعشرون كليو متر وهو امر يؤثر على ميناء جبل علي والازدهار المصطنع في دبي. مجموعة (البريكس) صاحبة مشروع طريق الحرير بقيادة العملاق الصيني ترفع شعار الاستثمار بدلا من الاستعمار فهل يمكن أن تفعل ذلك الأمارات معنا بدلا من بناء القواعد العسكرية وصناعة المليشيات وفرض الوصاية فذلك كله ليس له أي علاقة بما تدعيه من أنها تساعد اليمن في استعادة الشرعية, ثم ان مينائي عدن والمكلا وثروات الجنوب ستوفر لنا كل سبل الاستثمار والازدهار ولن نكون بحاج لتسول قاطرات الوقود وسلال التمر.
 وليعلم كل من وضع نفسه في موقع المسؤولية انه سيسأل عن كل قطرة دم تسفك في المكان الخطأ بعيدا عن الدفاع عن الجنوب وأن الجنوب يساق إلى إفراغه من كل شبابه في معارك تترك وراءها جيوش من الأرامل واليتامى والمعاقين فتلك خيانة عظمى وهو وضع يمهد لجعل الجنوب مجرد وليمة تقدم على طاولة المفاوضات المستقبلية بين التحالف العربي وقبائل الهضبة أيا كانت تسميتهم حوثيين اتو إصلاحيين أو سلفيين بعد أن خسر التحالف العربي شريكهم المفضل الرئيس السابق صالح. منحنا الثقة للمجلس الانتقالي ولكنها ليست توقيع على بياض, فثمانية اشهر كانت كافية لان تثبت أن المجلس مجرد ورقة تستخدمها الإمارات لاحتواء الثورة في الجنوب لتسليمه لقوى الإجرام والفساد في الشمال والجنوب, فهل يستطيع قادة المجلس الانتقالي أن يتحرروا من الآسر  وان يثبتوا العكس وهذا ما نأمله والكرة في ملعبهم, ولكن عليهم أن يعلموا أن شعب الجنوب قد خاب ظنه وبقدر الثقة التي أعطاها لهذا المجلس فإن ردة فعله ستكون قاسية ولن يسامح.
كاتب من الجنوب العربي .. مقيم في بريطانيا*

منشور في جريدة رأي اليوم المستقلة

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى