ما زال يغسلنا الرحيل

مايو 13, 2015
عدد المشاهدات 1353
عدد التعليقات 0
ما زال يغسلنا الرحيل
بقلم د. جمال سلسع
النكبةُ تفقدُ روحَها، إذا لم نعطِها من روحِنا، سحابةً تمطرُ الحنينَ الذي لا ينطفئُ في زمنِ النسيانِ. فنحنُ ما زلنا لم نتعلَّمْ مهنةَ الرجوعِ، ولم نعرفْ كيفَ نجففُ الدمعَ، ونفتحُ العيونَ، لنرى كيفَ يتركُنا الزمانُ صفصافةً حزينةً، على رصيفِ الذكرى. لأننا ما زلنا نبكي على أطلالِها، نرددُ الكلامَ في محرابِها، بلا أبجديةِ أو وضوحِ.
فكيفَ تبقى النكبةُ ذكرى تموتُ بينَ الضلوعِ، وتحيا بينَ الكلماتِ، لتعودَ وتدفنُها الكلماتُ بينَ الضلوعِ؟
وليسَ فينا سوى الكلامِ ينمو كالعشبِ حولَ النكبةِ، والنكبةُ تهزُّ الرأسَ مفجوعةً، لكلامٍ لم يتعلَّمْ لهجةَ الحنينِ بينَ شفاهِ الوفاءِ.
كلامٌ ينمو عشباً يابساً، تحرقهُ الشمسُ، ويلقى به في أتونِ النارِ. ألم يعدْ لنا سوى البكاءِ على أطلالِ نكبةِ فقدت كلَ شيءٍ، لأنَ جميعَ الأشياءِ التي حولها، لم تتعلَّمْ مهنةً تلامسُ تنهيدةَ الهضابِ، الصارخةَ بوامعتصماه. فهل يبدأُ الرجوعُ فوقَ عشبٍ تحرقُهُ الشمسُ؟ أم أنَ شمسَ الحريقةِ هي المنفى الآخرُ، فوقَ رمالِ الأحلامِ المتحركةِ؟ تلك التي تمحو الهمَ والذكرى والنكبةَ.
هل تعيدُ حيفا الدفءَ إلى روحي، عندما أُطلُ عليها في صباحِ الذكرى الباردِ؟
ألا يتمزّقُ قلبي عندما أجلسُ على شاطئ يافا، أتحسسُ التاريخَ الذي يموتُ بينَ يديها؟
إذا مرَّت الذكرى على وجعِ الكلامِ، فالكلامُ يردُّها إلى ذكرى واقفةٍ على رصيفِ النسيانِ.!
وإذا مرَّت الروحُ على دمعةِ الذكرى، فالروحُ تشتعلُ في دموعِها خسارةُ التاريخِ!
لا تتشابهُ المدنُ أبداً. فالمدينةُ القادمةُ من ذكرى نكبتِها، تشعلُ في عيونِنَا ألقَ الرجوعِ.
فكيفَ إذن تموتُ حيفا؟ وهي المدينةُ الصاحيةُ على التاريخِ الذي لا يموتُ بينَ يَديها، كيفَ تخرجُ من لدنِ الروحِ، قبلَ أن تبرعِّمَ فيها صحوةُ الحياةِ؟
فهل النكبةُ ذكرى تجدِدُ فيها ومضاتُ الخوفِ، على رصيفِ فقدانِ ما تحبُّ؟ أم هي مساحةُ الخطابةِ والندابةِ على وطنٍ جميلٍ، لم نكنْ في جمالِ حبِّهِ، عندما جاءَ النداءُ في صباحٍ رماديٍّ، يطلُ من استغاثةِ حيفا، ودموعِ يافا وآهِ الجليلِ؟
إلى أينَ أذهبُ لأُعيدَ للنكبةِ روحَها؟ وما زالَ الضياعُ يأسرُ دربي! ألمْ نُعدَّ القافلةَ؟ أما زلنا نجهلُ مهنةَ الرجوعِ؟ والسنينُ تطحنُها السنونُ، ولم نقتربْ متراً واحداً من شواطئ النكبةِ! هل حملنا مؤونةَ القافلةِ؟ وأعددنا صهيلَ الخيلِ؟ هل خرجنا من مدينةِ الملاهي، وكذَّبنا الشعاراتِ، وحملنا رائحةَ الأرضِ تقودُنا إلى النكبةِ؟ هل حفظنَا لغةَ الرجوعِ؟ أم أن رجوعَنَا لغةٌ فضحَتها شفاهُ الشمسِ؟
سأدقُّ أبوابَ النكبةِ، وأشكو همومي. لأنني لم أتعلَّمْ حتى اللحظةَ مهنةَ الرجوعِ! وما تركتُ حيفا دمعةً على ذكرى همومي، إلاَّ لأنَّ همومي لم تتعلَّمْ لغةَ الشمسِ! وما تركتُ يافا تذبلُ بتاريِخَها، إلاَّ لأنَّ تاريخي يستقِّرُ في صقيعِ جمودِهِ!
ألا نخجلُ من الوقوفِ على أطلالِ الذكرى، ونحن نجهلُ كيفَ تحيا بينَنا، لأننا ما تعلَّمْنا لغةً تحرسُ ورودَنا، وتشتاقُ إلى منابعِ ماضيَنا؟
لماذا ينطفئُ فينا كلَ يومٍ عشقُ شارعٍ، ولهفةُ مدينةٍ، وبوحُ حقيقةٍ تحتَ ظلالِ النكبةِ؟
همُّ النكبةِ يكبرُ ونحنُ نصغرُ أمامَ أحلامِنا! وجرحُ النكبةِ يتَّسعُ والحقيقةُ تذكِّرُنا بضيقِ الزمنِ! وعمرُ النكبةِ يزدادُ ووجعُ الأسئلةِ ينطفئُ!
ننتظرُ سنةً أخرى، تحملُ يوماً حزيناُ آخر، تستيقظُ فيه الذكرى، سؤالاً يبحثُ عن جوابِهِ بينَ ركامِ الأزمنة. ونرشقُ حيفا بوردةٍ جميلةٍ، ونطبعُ قبلةَ حبٍ على وجهِ يافا، وننتظرُ عاماً آخر، ولا نتعلَّمُ مهنةَ الرجوعِ. فهل تنتظرُ النكبةُ عاماً آخر، قبلَ أن تنطفئَ فيها شعلةُ الذكرى؟ ترى هل نتعلَّمُ مهنةَ الرجوعِ، وما زالَ الانقسامُ لا يعلِّمُنا لغةَ الحبِّ؟



