ادب وثقافة

“شَكَتْني ثُرَيَّا”

أكتوبر 13, 2017
عدد المشاهدات 1163
عدد التعليقات 0
“شَكَتْني ثُرَيَّا”
 
إبراهيم يوسف
 
في التعقيب
“على باب الحظيرة”
 
لإيناس ثابت
 
 

 
 
جميلٌ ما كتبتِه ياإيناس. إنه يذكِّرني بأمرين: “زحلة” المصيف والمدينة الرائعة، التي أنهيتُ على أطراف الماضي البعيد، المرحلة التكميلية في مدارسها، وفيها عرفتُ المراهقة والحب للمرة الأولى. واليوم تذكِّرني المدينة بفيض من الأدباء والشعراءالمبدعين، وأكثرهم من آل “معلوف وعقل”، وفي طليعتهم سعيد عقل الراحل الكبير، “ووديع” من هذه العائلة “المثقفة” الكريمة.
 
أما الإشارة إلى زحلة *”جارةالوادي”، كما رآها وغناها شوقي وعبد الوهاب، أو”عروس البقاع”، “ودارالسلام” كما نطلق عليها في لبنان؛ وإلى صباياها الفاتنات وخمرة كرومها تُعَتَّقُفي خوابي وأقبية “كسارة” تركعُ عند أقدام “صِنِّين”..؟  فإنّ” الحصري القيرواني” الشاعرالضرير في عمق وجدانه قبس من نور الباري عزَّ وجلّ، وهو يبصر بقلبه لا بعينيه جمال الله في الخلق وبهاء انعكاسه في عيون الآخرين، وهو يَصِفُ فتاة زحلية دون سواها..؟سكرانة اللحظ والثغر والشفتين ويقول:
 
“صاحٍ، والخَمْرُجَنى فَمِهِ سَكْرانُ اللَّحْظِ مُعَرْبِدُهُ

يَنْضومِن مُقْلَتِهِ سَيــْفاً وكَأنَّ نُعاســــــاً يُغْمِدُهُ

فَيُري قُدَمَ العُشَّــــاقِ بهِ والوَيْلُ لمَــنْ يَتَقَــــــلَّدُهُ

كَــــلاّ،لا ذَنْبَ لمَنْ قَتَلَتْ عَيْناهُ ولم تَقْتُـلْ يَــدُهُ”
 

 
هذه المدينة نافستْ في الأدب والتاريخ؛ الشام والأندلس وبغداد ووادي النيل؛ ولا يتسع تعليق أو مقالة قصيرةللإحاطة بتراثها وأدبائها وشعرائها ومثقفيها. ولا يصح المرور في زحلة، دون أن نعرِّج على الصديق والطبيب؛ الكاتب جورج سليم عبد الأحد، وإلى”باقةبنفسج” أزهرت في المدينة، وبلغني عطرها من عشرات الأميال؛ حينما أهداني صاحبهامشكورا نسخة عن “باقته” الصادرة عن دار الأندلس.
 
 وتشتملُ “الباقة المطبوعة” بين دفتيها،على أحداث ووجوه ومحطات في الأدب والسياسة والتاريخ؛ كان أكثرها طيّ الغياب؛ حتى أتى الطبيب والكاتب الصديق فأعادها إلى الظهور. قرأت الكتاب على مراحل قليلة وشعرت بمتعة القراءة، وتعرفت إلى نوادر وخواطر كثيرة كنتُ في الحقيقة أجهلُها تماما.. وتبقى زحلة الحاضرة الوازنة في الأدب والتاريخ.
 
وإذا كنّا قد عرّجنا في الدربِ على “عبد الأحد”..؟ وقد اتخذ من البنفسج عنواناً لكتابه؛ فمن الإنصافِ والطِّيْبُ بالطِّيْبِ يُذْكر، أن نعرِّج قليلا على “صالح عبد الحي”،الذي غنّى للبنفسج وأذهل أجيالا بكاملها، من كلمات بيرم التونسي، وألحان رياض السنباطي ومن مقام “الراست”. وصالح عبد الحي تنفّس وغنَّى البنفسج كأروع ما يكون النَّفَسُ والغناء، فلم يبقَ على مساحة الوطن العربي من لم يترنّمْ بهذه الأغنية الساحرة، التي شنَّفتِ الأسماع وفتنتْ بعذوبتها غلاظ القلوب.
 
وإن لم تتسع هذه العجالة من الوقت لذكر من ردَّدوها جميعا؛ فإنَّ أصحاب القامات العالية في الغناء،كعبد الوهاب وأم كلثوم وأسمهان وفيروز طغوا عليها..! فهؤلا لم يتواضعوا ليرددواالأغنية بعد صالح عبد الحي؛ لكنهم لم ينالوا من روعة الأغنية أو يحجبوها عن الأسماع. وهذا هو الرابط إلى الأغنية كأسطع ما يكون الدليل.. هذه المرة بصوت”أميمة الخليل” وعزف مرسيل خليفة المتميز البديع:
 
ليه يا بَنَفِسِجْ *بِتِبهِجْ * وانْتَ زَهْرِ حَزيْنْ
والعِيْنْ تِتابْعَكْ *وِطَبْعَكْ * مِحْتَشِمْ وِرَزِيْنْ
 
حَطّوْكْ خَمِيْلة * جَمِيلة* فُوْقْ صُدورِ الغِيْدْ
تِسْمَعْ وِتِسْرَقْ *يا أزْرَقْ * هَمْسِةِ التَّنْهِيْدْ
 
 

 
أما بالعودة إلى”وديع عقل”؛ الشاعر الزَّحلي العتيق تغمَّده الله بواسع رحمته، فقد نظم”شَكَتْنيثُرَيَّا” قصيدة غزلية؛ تشبه إلى حد بعيد ما قلتِه في خلاصة نص “على باب الحظيرة” المعني بهذا الرد. إلاّ أن نصك على روعته وإعجابي به لم يخلُ من حشو لا مبرر له في السياق المنطقي العام. كقولك وأنت تشيرين إلى عيني الفتى”المحتال”:”وتذوبان خلف الربوة عند شمس الأصيل..!؟”
 
 العيون المحتالة الجائعة يا عزيزتي تلتهم الآخر،فلا تذوب أو تختفي عند الضحى أو بعد الأصيل. وتبقى الفقرة الأخيرة في اعتقادي؛تعويضا يحمل إلى قلب القارىء وفكره دهشة ملحوظة، وإلى شفتيه بسمة  مليئة بالرضا. “شَكَتْني “ثُرَيَّا” قصيدة وديع عقل، التي أشرتُ إليها تستحق القراءة كتعقيب على  النص ولو أنّها طويلة قليلا؛ لكنها جديرةباهتمام الشباب؛ ممن تحرضهم الحياة على حلاوة العيش في دنيا الغرام:
 
شَكَتْني “ثُرَيَّا” إلى والدَيَّا..؟”

وقالتْ: فَتاكُمْ تَجَنَّى عَليَّا

حَسَا الخَمْرَ حَتَّى اسْتَطارَتْ هُداهُ

فَشَدَّ وَألْوى على ناهِدَيَّا

وَبِالرغْمِ مِنِّي تَرَضَّبَ ثَغْري

وَطَوَّقَ نَحْري وَلاكَ الْمُحَيَّا

قدِ امْتَصَّ شَهْدي وَزَعْفَرَ وَرْدي

وعاثتْ يداهُ بِرُمّانتيَّا

أتى كلَّ هذا وَوَلّى، فَخَلَّى

فؤادي وَقيداً وعينيَّ رَيَّا

وَظلَّتْ”ثُرَيَّا”تُغالي وَتَبْكي

فهاجَ بُكاها بُكَا والدِيَّا

وفاوَضَ أمِّي أبي في فتاها

وقالَ: إلامَ تُمادِيهِ غَيَّا

فقالتْ: سيصحو وأُسْديهِ نُصْحي

ولا ذَنْبَ إلاَّ لتلكَ الحُمَيَّا

متى جاءَ أخْلو بهِ في خِبائي

و أكْتَنُّ خَدَّيْهِ بينَ يَدَيَّا

وأمْتَصُّ مِنْ فِيْهِ خَمْراً حَسَاها

فَيْصْحو مِنَ السُّكْرِ شَيَّا فَشَيَّا

فقالتْ “ثُرَيَّا” إذا كانَ هذا

الدواءُ دَوَاهُ..؟ كِلِيْهِ إليَّا

أنا بامْتِصاصِ المَراشِفِ أدْرَى

وما اعْتَادَ فُوْهُ سِوى شَفَتَيَّا”
 
وهذه أيضا حكاية قصيرة مؤنسةفي نفس سياق قصيدة وديع عقل، عن مغامرة من مغامرت عمر بن أبي ربيعة، وكان يُقبِّلُ محبوبته عنوة وقد انفرد بها في خبائها، حينما هدَّدَتْه قائلة له بنون التوكيد:سأنبهَنَّ الحيَّ إن لم تخرجِ..!؟ يقولُ الشاعر: وخرجتُ خوفَ يمينها؛ فتبسّمتْ، فعلمتُ أن يمينها لم تُحْرِجِ..! الله يسامحك ويعفو عنكِ يا شهرناس، كيف أضعتِ الفرصة على الصبية المكابِرة والفتى الملهوف.
 
 بعض ما جاء في قصيدة*جارة الوادي لأمير الشعراءشوقي. لحنَّها وغنّاها عبد الوهاب إلى جانب نور الهدى وفيروز وسميَّة بعلبكي وغيرهم، ممن رددوا هذه الأغنية الرائعة:
 

 
“لمادرِ ما طِيبُ العِناقِ على الـهوى
حتـى ترفَّـق ساعـدي فطـواكِ
وتأَوَّدَتْ أَعطـافُ بانِك فِي يـدي
واحـمرّمـن خَفَرَيْهمـا خـدّاكِ
ودخَلْتُفِي ليلين: فَرْعِك والدُّجـى
ولثمـتُك الصّبـح المنـوّرِ فـاكِ
وتعطَّلَتْ لغـةُ الكـلامِ وخاطبَـتْ
عَيْنَـيَّ فِي لُغَـة الـهَوى عينـاكِ
لاأَمسِ من عمرِ الزمـان ولا غَـد
جُمِع الزمانُ فكـان يـومَ رِضـاك”

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى