أسماء النساء تروي تاريخ اليمن القديم

حميد عقبي
باحثة تدافع عن الماضي بصرامة
تُعدّ النقوش القديمة مصدرًا أساسياً لفهم تاريخ المجتمعات، إذ تكشف عن أبعاد اجتماعية وثقافية عميقة. وفي هذا الإطار، يقدّم كتاب “أسماء النساء في النقوش العربية الجنوبية القديمة” للدكتورة عميدة شعلان قراءة علمية تستنطق الأسماء بوصفها مفاتيح لفهم مكانة المرأة في اليمن القديم.
حين نقترب من كتاب “أسماء النساء في النقوش العربية الجنوبية القديمة” للدكتورة عميدة شعلان، لا نكون أمام عمل لغوي تقني أو قاموس للمختصين فقط، بل نكون أمام محاولة جادة لإعادة بناء صورة المرأة في اليمن القديم عبر مادة تبدو صامتة ظاهريًا، لكنها ناطقة بعمق: النقوش.
المؤلفة لم تكتب تاريخًا تقليديًا، ولم تعتمد على السرديات المتأخرة، بل عادت إلى المصدر الأول، أي إلى الحجر، إلى النص الأصلي الذي لم تُعد صياغته الأيديولوجيا، ولم تعبث به الروايات اللاحقة. هنا، يصبح كل اسم مفتاحًا لرواية أو معلومة أو حالة، وتتحول الكلمة إلى مدخل لفهم المجتمع.
الأسماء والمجتمع
ينتمي هذا الكتاب إلى حقل النقوشيات والدراسات السامية، وقد قُدِّم أساسًا كأطروحة دكتوراه في جامعة ماربورغ عام 1999، ويتسم بطابع أكاديمي صارم، وكذلك ببنية منهجية علمية موضوعية. لكنه يتجاوز الإطار الأكاديمي الضيق، كونه يلامس سؤالًا أكبر: كيف يمكن للغة أن تكشف عن بنية المجتمع؟ وكيف يمكن لاسم امرأة محفور على حجر أن يفتح أفقًا لفهم العلاقات الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية؟
منذ الصفحات الأولى، توضّح الباحثة أنها سعت إلى جمع أسماء النساء الواردة في النقوش العربية الجنوبية القديمة، ثم تحليلها ضمن إطار لغوي سامي مقارن. لكن هذا الهدف الظاهري يخفي مشروعًا أعمق، أي قراءة المجتمع من خلال الأسماء. فالأسماء، كما تؤكد هذه الدراسة، ليست مجرد علامات تعريف، بل تحمل في داخلها طبقات من المعنى: كالنسب، والانتماء، والاعتقاد، وكذلك الوظيفة الاجتماعية.
البحث لم ينطلق من فرضيات جاهزة، بل من نصوص، وهذا يجعله مساهمة مهمة في إعادة كتابة تاريخ اليمن القديم
البحث لم ينطلق من فرضيات جاهزة، بل من نصوص، وهذا يجعله مساهمة مهمة في إعادة كتابة تاريخ اليمن القديم
اعتمدت شعلان على مجموعة نصوص واسعة من النقوش: سبئية، ومعينية، وقتبانية، وحضرمية. ولم تكتفِ بالنصوص المنشورة، بل استفادت أيضًا من نقوش غير منشورة، مما منح بحثها قيمة إضافية. كما استندت إلى مراجع أساسية في هذا الحقل، مثل أعمال بيستون، وروبان، وريكمانس، ومولر، وفرانتسوف وغيرهم، إلى جانب الاستفادة من التراث العربي الكلاسيكي، خاصة الهمداني، لضبط النطق وإعادة بناء السياق.
لفهم المنهج الذي اتبعته الباحثة، يمكن القول إنه قام على ثلاثة مستويات متداخلة: أولًا، جمع المادة: أي حصر أسماء النساء في النقوش المختلفة. ثانيًا، التحليل اللغوي: تفكيك الأسماء إلى جذورها، ومقارنتها بلغات سامية أخرى مثل العبرية والآرامية والأكادية. ثالثًا، الربط السياقي: وضع الاسم داخل النص الذي ورد فيه، لفهم وظيفته الاجتماعية.
وهنا تكمن قوة هذا الكتاب البديع، فهو لم يدرس الأسماء بمعزل عن سياقها، بل ربطها بأنواع النصوص. فالنقوش ليست نوعًا واحدًا، بل تنتمي إلى تصنيفات متعددة: إهدائية، توبوية، بنائية، جنائزية، قانونية، وغيرها. وكل نوع يكشف عن جانب من حضور المرأة.
نلمس، مثلًا، في النقوش الإهدائية ظهور المرأة كفاعل ديني؛ إذ تقدم النذور للآلهة، وتطلب البركة، وتشكر على النعم. الصيغة ثابتة تقريبًا، لكنها تحمل دلالات مهمة: فالمرأة لم تكن مجرد تابع، بل كان لها حضور مباشر في العلاقة بالمقدّس.
في نقوش التوبة، يظهر وجه آخر؛ إذ نجد المرأة كفاعل أخلاقي، تعترف بخطأ، غالبًا مرتبط بالطهارة الطقسية، وتعلن توبتها علنًا. وقد كشفت هذه النقوش عن نظام رقابي ديني، كما أكدت أن المرأة كانت جزءًا من هذا النظام، تخضع له وتشارك فيه، وعنصرًا مهمًا في سرديات كبرى.
أما في نقوش البناء، فنحن أمام صورة مختلفة: المرأة كفاعل اقتصادي، تساهم في بناء بيت، أو ترميم قبر، أو إنشاء معلم. وفي بعض الحالات، يُذكر أنها استخدمت مالها الخاص، وهو تفصيل بالغ الأهمية، لأنه يشير إلى درجة من الاستقلال المالي. كما أظهرت الدراسة بعض حالات التعاون بين الرجل والمرأة، مما يصوّر الطبيعة الجماعية للعمل.
في بعض النقوش الجنائزية يتخذ حضور المرأة طابعًا تذكاريًا؛ إذ تُذكر بوصفها صاحبة قبر، أو جزءًا من ذاكرة عائلية. كما تظهر أسماء النساء على التماثيل واللوحات، مما يوضح أن لحضورهن أبعادًا رمزية تتجاوز النصوص أحيانًا.
ومن المهم أن ننتبه إلى أن هذه الدراسة رصدت حالة نادرة لامرأة في نقش صيد، وهو ما يفتح سؤالًا حول تنوع أدوار المرأة، وإن كانت هذه الحالات استثنائية.
لكن أهم ما يقدّمه الكتاب ليس وصف هذه الأدوار فحسب، بل قدرته على تحليل نظام التسمية. هنا تتحول الدراسة إلى قراءة في البنية الاجتماعية، بل والثقافية أيضًا. فالأسماء تكشف عن شبكة نسب معقدة؛ إذ تُعرّف المرأة أحيانًا من خلال أبيها (بنت)، وأحيانًا من خلال زوجها، وأحيانًا من خلال “بيت” الزوج (دت/ بيت)، وهذا التعدد ذو دلالة اجتماعية وقانونية.
مصطلح “بنت” يشير إلى الانتماء إلى عائلة الأصل، أي الأب، أما “دت” فيدل على الانتماء إلى عائلة الزوج، مما يصوّر انتقال المرأة بعد الزواج واندماجها في “بيت” الزوج بوصفه وحدة اجتماعية مستقلة. لكن اللافت أن هذه الأنماط لا تلغي بعضها بعضا، بل تتجاور؛ إذ يمكن للمرأة أن تحمل أكثر من انتماء في اسم واحد، مما يدل على مكانتها المميزة، وأن هويتها ليست أحادية.
المتأمل لهذا النظام يكتشف أن المجتمع اليمني القديم لم يقم على قطيعة بين الأصل والزواج، بل على تراكب؛ فالمرأة كانت تنتقل، لكنها لا تُمحى. تحتفظ باسم أبيها، وتكتسب اسم عائلة زوجها، وتُدرج داخل “بيت” جديد. ويصبح الاسم، هنا، سجلًا لهذه الحركة الاجتماعية.
كما كشفت شعلان في هذا البحث المهم عن مصطلحات أخرى تُستخدم لوصف المرأة: أم، أخت، زوجة، أرملة، ملكة، خادمة، موظفة. وهذا التنوع يعكس تعدد مواقعها داخل المجتمع، فهي ليست فئة واحدة، بل تؤدي أدوارًا متعددة.
تقليد علمي صارم
من الناحية النقدية، يمكن القول إن الكتاب تميز بدقة لغوية جيدة ومنهجية واضحة، لكنه يظل محكومًا بطبيعة مادته وحدودها؛ فالنقوش تمثل غالبًا طبقة النخبة، وبالتالي لا يمكن تعميم النتائج على المجتمع كله. كما أن بعض الاستنتاجات تبقى احتمالية بسبب نقص السياق. وتعترف د. عميدة شعلان في حواراتها بإمكانية إنجاز دراسات عديدة حول هذا الموضوع، لما يطرحه من أسئلة، ولما تحتويه النقوش من مادة تحتاج إلى قراءة وتحليل وفهم، مؤكدة أنها لم تدّع تقديم كل شيء في كتابها.
مع ذلك، فإن قيمة هذا العمل تكمن في تقديم قراءة إبداعية مختلفة، تعتمد على الأدلة لا الروايات. ومن مميزات بحثها أنه لم ينطلق من فرضيات جاهزة، بل من نصوص، مما يجعله إحدى المساهمات المهمة في إعادة كتابة تاريخ اليمن القديم.
ولا يمكن فهم هذا العمل دون التوقف عند منهجية الباحثة؛ فهي تنتمي إلى تقليد علمي ألماني صارم يقوم على الدقة والتحليل والمقارنة، لكنها تحمل أيضًا حسًا عربيًا واضحًا، يتجلى في ربط المادة بسياقها الثقافي. وهذا التوازن منح عملها خصوصية مميزة.
عشرة استنتاجات أساسية:
الأسماء في النقوش وثائق اجتماعية، وليست مجرد علامات تعريف.
حضور المرأة في اليمن القديم كان متنوعًا، وإن كان محدودًا بالنقوش.
شاركت المرأة في المجال الديني بشكل مباشر عبر النذور.
لعبت دورًا اقتصاديًا واضحًا، خاصة في البناء والتمويل.
ظهرت في الوثائق القانونية، مما يدل على اعتراف قانوني بدورها.
نظام التسمية يعكس بنية نسب معقدة تجمع بين الأب والزوج.
مفهوم “البيت” يكشف عن مركزية العائلة كوحدة اجتماعية.
الأسماء تحمل عناصر دينية، مما يدل على ارتباط اللغة بالاعتقاد.
النقوش تمثل النخبة، مما يحد من تعميم النتائج.
دراسة الأسماء تفتح أفقًا جديدًا لفهم التاريخ الاجتماعي لليمن القديم.
في ختام هذا العرض، تجدر الإشارة إلى أن الدكتورة عميدة شعلان لا تكتفي بالبحث الأكاديمي، بل تمارس دورًا معرفيًا أوسع؛ إذ تشرف على دراسات جامعية، وتساهم في تكوين جيل جديد من الباحثين اليمنيين، كما تحضر في وسائل الإعلام، مقدمةً صورة علمية عن تاريخ اليمن بعيدًا عن الاختزال أو التشويه.
وتظهر في هذه الحوارات لهجة واضحة: الدفاع عن التراث والدعوة إلى حمايته؛ إذ تشير باستمرار إلى الخطر الذي يهدد الآثار اليمنية، سواء بسبب الحروب أو التهريب، وتدعو إلى وعي ثقافي يحفظ هذا الإرث باعتباره جزءًا من ذاكرة الإنسانية.العرب
عميدة شعلان إحدى الباحثات المجتهدات، كما أنها فاعلة في الحقل الثقافي؛ فهي لا تكتب عن الماضي فقط، بل تدافع عنه في الحاضر




