رحيل المرشد

احمد عبد اللاه
قالوا أبو الصقرِ من شيبانَ، قلتُ لهمْ
كلا لعمري، ولكنْ منه شيبانُ
وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذُرى شرفٍ
كما علا برسولِ اللهِ عدنانُ
هذه الأبيات لابن الرومي، وكان آية الله علي خامنئي يرددها باللغة العربية، وفي أحيان أخرى، كان يتغنى ببيت من قصيدة للشاعر أحمد الصافي النجفي يقول فيه:
عمري إلى السبعين يركض مسرعاً
والروح باقية على العشرينِ
وبتصرف منه، كان يغيّر كلمة “السبعين” إلى “التسعين”.
علي خامنئي مرشد أعلى للثورة الإسلامية، ومرجع ديني شيعي، ومثقف وسياسي… لكن السؤال الأعمق يظل قائماً: لماذا تميل أنظمة سياسية في دول مركزية إلى إعادة إنتاج خيال إمبراطوري بلباس ديني أو طائفي، رغم أن شروط العالم المعاصر لم تعد تسمح ببقاء دول عقائدية متشددة بنفوذ واسع؟
حين يتحول الدين إلى هوية سياسية صلبة، فإنه يفقد طبيعته الجامعة، ويغدو أداة فرز وصراع. وهذه الظاهرة لا تخص نموذجاً بعينه، بل ظهرت بأشكال مختلفة لدى حركات الإسلام السياسي، سنية وشيعية، وكل مشروع يسعى إلى احتكار المقدّس وتوظيفه من أجل السلطة. وكانت النتيجة انهيار دول، وتفكك جيوش، وانزلاق مجتمعات كاملة إلى صراعات داخلية طويلة، جعلت الشرق الأوسط يعيش حالة عدم استقرار شبه دائمة.
ولا يعني ذلك اختزال أزمات المنطقة في عامل واحد؛ فالتاريخ والجغرافيا والتدخلات الدولية والاختلالات الاقتصادية جميعها أسهمت في المشهد الراهن. غير أن الإسلام السياسي، خلال العقود الأخيرة، شكّل أحد أهم محركات إعادة إنتاج الصراع، خصوصاً عندما استخدمته دول إقليمية أداة لتوسيع النفوذ تحت وهم تحقيق مكاسب استراتيجية، بينما كانت الحصيلة الفعلية مزيداً من التفكك الجماعي.
ومع ذلك، فإن أزمات المشاريع الأيديولوجية لا يجعل حلها مرهوناً بتدخل القوى الكبرى. فالولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني لا تقدم بديلاً عن نظام إقليمي متوازن، كما أن الاستثمار في التدخلات الخارجية لا ينتج استقراراً دائماً. لقد أثبتت التجارب أن الحلول العسكرية الأمريكية، مهما بدت حاسمة لحظتها، تخلّف فراغات استراتيجية تولّد أزمات جديدة، غالباً أكثر تعقيداً من الصراع الأصلي.
إن رحيل خامنئي، وما قد تخلّفه الحرب من تحولات جذرية داخل إيران، يمثل لحظة مفصلية في توازنات الإقليم. وهنا، تبرز الحاجة إلى تضامن عربي وإقليمي واعٍ، قادر على ملء أي فراغ استراتيجي محتمل، ومنع استثمار نتائج الحرب بما يفتح مسارات جديدة لعدم الاستقرار.
المشهد ما يزال مفتوحاً؛ فالحرب لم تضع أوزارها بعد، ونتائجها السياسية والاستراتيجية غير واضحة، الأمر الذي يجعل المرحلة الراهنة أقرب إلى طور تشكّل تاريخي، سوف يأخذ مداه.
أحمـــــــــــدعبداللاه


