رجل من زمن الكبار

التقيتُ بالدكتور شائع محسن الزنداني، رئيس الحكومة، ذلك الدبلوماسي الذي صقلته التجاربُ وأنضجته المعرفةُ، ودفعت به النزاهةُ والصرامةُ والكفاءةُ إلى تسنم رئاسة وزارة لم يسعَ إليها يومًا، بل هي من سعت إليه وجاءته في أسوأ الظروف ظلمةً وعَتامةً.
رجلٌ تكنوقراطي من رفاق الفقيدين فرج بن غانم وفيصل بن شملان وآخرين من الأسماء اللامعة – رحمهم الله جميعًا – من ذاك الجيل المخلص المؤمن بيقين بأن الوطن فوق كل الاعتبارات السياسية الضيقة. إنه صنفٌ نادرٌ لا يبحث عن شهرةٍ أو مكاسبَ عابرةٍ .
كم أثار إعجابي وهو يتحدث، ويتواصل، أو يُديرُ خَرابَ اللحظة الراهنة، وهي نتاج جملة من الأخطاء الفادحة، بل والحماقات، والأنانيات الشخصية.
لأولِ مرةٍ ألتقي به وجهًا لوجه، رغم أننا من بلاد واحدة . وجدته هادئًا وقورًا، مستمعًا، قليلَ الكلام، تُؤرِّقه أزماتُ البلد، وهو يعمل جاهدًا لخدمة الناس .
يسعى لمعالجة أزمات الخدمات الأساسية الضرورية، كالكهرباء والماء والمرتبات، وإيجاد حلولٍ مستدامةٍ لعديد من المشكلات الحياتية ، بينها شحّة السيولة النقدية ، وهي المعضلة التي استفحلت وتضخَّمتْ حدٍّ لا يمكن قبوله أو استيعابه . يعمل بصمتٍ ودقَّةٍ، ومواعيدُه ولقاءاتُه دقيقةٌ كالساعة الإلكترونية.
إنه مهندسٌ متمكِّنٌ لإعادة ضبط بوصلة الدولة ومؤسساتها، في واقعٍ منفلتٍ ومعقَّدٍ، يستلزِمُ قدرةً خارقةً في كافة مناحي الحياة ؛ السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والدبلوماسية.
لا يشكو ولا يتذمَّر، ولم يُحِطْ منصبه بولاءاتٍ ضيِّقةٍ، ولم يقبل بالمحسوبية والانتهازية، ولم يُحِطْ ذاته ببطانيةٍ من الحاشية ولا بطانةٍ جلبهم معه للإدارة والتنظيم والحماية والوظيفة . فكلُّ طاقمه كانوا هنا أصلًا، وأغلب رفاقه موظفون في الدولة . فلا حاشية، ولا قرابة، ولا هم يحزنون.
رجلُ دولةٍ من زمن الكبار، من جيل الثورة والاستقلال والدولة الوطنية . نَقِيُّ السَّرِيرَةِ؛ فلا يضمر حقدًا أو ضغينة، لا ينكث عهدًا قطعه أو يتنصل من مسؤولية، وسجلُّه خالٍ من الدم، والنهب، والكذب، والمحسوبية.
علاقاته واسعة مع مختلف المسميات والشخصيات ، وهو جادٌّ في تعامله مع أبسط القضايا ، فلم يأتِ إلى المنصب بالعنجهية والرصاص والخطب والشعارات الساخطة، وإنما بمؤهلاته، ومعارفه ، وسيرته العطرة .
وبعد كل هذا الأطناب، أجدني متعاطفًا معه، داعمًا له، واثقًا بما يقوم به من فعلٍ لاستعادة السيطرة على مؤسسات الدولة، وتمكينها من مزاولة نشاطها دون عراقيل تحول دون القيام بواجبها.
نعم، لا يحب الشكوى ولا التذمر . يعمل بصمت، ويجتهد كي يحقق للناس شيئًا ذا قيمة وأهمية . متواضع وبسيط جدًا، لا يحب الصور ولا الخطب والشعارات.
يواجه الأزمات بتأنٍ وصبر، يدرك أن الواقع محبط وعصيٌّ، لكنه لا يستسلم ولا يستكين . غايته من كل هذا استعادة دولة، وسلطة ومسار ، وسفينة وبوصلة .
ومع كل ما يراه ويحيط به، يروم لإستنهاض وطنه .. يريد أن يترك أثرًا طيبًا .. أن تلمس النَّاس عودة الخدمات والمرتبات والأمن والسكينة والطمأنينة ، وأن تتوقف الفوضى، وتنجز تلك الأولويات الوطنية التي يبذل قصارى جهده لأجل تحقيقها.
لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه حضور هذا الرجل في زمن الانهيار : هل يكفي أن يكون القائد نظيف اليدين، صامتًا، مجتهدًا، في مواجهة آلة الفساد والفوضى التي لا تنام ؟ .
إن معضلة البلاد والعباد اليوم ليست فقط في غياب الرجال النزهاء ، بل في أن النزاهة وحدها، دون رؤية سياسية واضحة المعالم في واقع تسوده الفوضى ، وتتربعه المغامرات والانقسامات ، وتستحكم فيه المكبوتات الدفينة والرغبات الذاتية الأنانية .
فدون نخب سياسية وفكرية وازنة ومؤسسات دولة قوية وراسخة ؛ قد تتحول إلى عبء على صاحبها، وقد ينطفئ وهجه كما يُطاح بالشموع في وجه الريح .
الدكتور شائع محسن يمثل نموذجًا نادرًا للـ”الدولة الفردية” التي تحاول إقامة دولة من خلال رجل واحد ، وهذه هي المأساة ؛ أن يكون كل شيء في زمن لا شيء، وأن يعيد الاعتبار للمنصب في زمن فقدت فيه المناصب اعتبارها .
إنه ليس مجرد رئيس حكومة، بل هو “استثناء مؤلم” يثبت القاعدة الذهبية: أن الأوطان لا تُبنى بالملائكة، بل بالبشر الذين يختارون أن يكونوا ملائكة وسط شياطين .
في زمن صار فيه البكاء على الأوطان أسهل من العمل من أجلها ، وصار فيه النفاق والتضليل والأصوات الصاخبة أسرع الطرق إلى القلوب من الإصلاح، يبقى الدكتور شائع تذكرة ألم لا تُنسى؛ فالرجال لا يُوزنون بضجيجهم، بل بصدق صمتهم .
إنه ليس نجمًا يضيء السماء، بل جمرة تحت الرماد، لا يراها إلا من هبَّ يطلب الدفء . ربما لن تخلد سيرته في المناهج، ولن تُرفع له التماثيل، لكن التاريخ، الذي لا يكتبه الحفاة العراة، سيتذكره يومًا كأحد أولئك الذين رفعوا راية الوطن في أكثر الليالي عتمة، فلم يجدوا من يحملها معهم إلا ظلالهم وضمائرهم .
تحية لمن يمشون على الجرح ليُبرئوه، وهم يعلمون أن الجرح سيأكل حذاءهم قبل أن يلتئم . وتعظيم سلام لمن أعاد للدولة اعتبارها، وللمسؤولية معناها ، ولليائسين أملًا كانوا قد أوصدوا دونه الأبواب .
فيكفي القول إن زوار معاشيق اليوم سيجدون من يهتم ويصغي ويقدم حلولًا لقضايهم وشكواهم ، وحتمًا أنهم لن يظفروا بريال واحد هبة أو مكرمة من قوت الجياع ، فقط فنجان شاي او قنينة ماء ، لكنهم يغادرون سعداء للغاية ، ويحملون في أرواحهم ثقة وأمل بإصلاح الحالة البائسة .
كما ولسانهم لاهجًا : ليت قومنا يدركون قيمة الرجل النزيه والصارم وبما يجتهد به لأجلهم ، ليتهم يبطلون القنفزة الفارغة ، ليتهم يتركونه يعالج قضايا وطنية وإنسانية ملحة ، أنه شفاف كالماس ، لكنه صلب وقاطع وقادر على شق الصخر .
لقد أعاد للإنسان كرامته قبل أن يعيد للمكان هيبته ، فقط دعوه ووزرائه يعملون ، فهل نحن فاعلون ؟ .
محمد علي محسن



