مقالات

أمن الكويت.. وإملاءات الضرورة




عبد الله بشارة


لم يأت التحاق الكويت بشبكة الأمن التي تربط دول مجلس التعاون بعلاقات خاصة مع الولايات المتحدة من خيار كويتي وحيد تنفرد الكويت به، وإنما جاء من خصوصيات مشتركة تملكها الكويت ودول مجلس التعاون.
وُضعت هذه المجموعة الخليجية في دائرة الأمن الاستراتيجي العالمي، وذلك لضمان تواصل حيويتها في تصديرها للطاقة النفطية التي يحتاجها جميع سكان العالم ويملكها القليلون، ومعظمهم في منطقة الخليج، وأعضاء في مجلس التعاون، وعلى وعي تام للمسؤوليات الاستراتيجية التي تفرضها سلامة الأسرة العالمية على هذه الدول التي هي على استعداد لتقبل أعباء هذه المسؤولية.

ولم تنضم الكويت لعضوية شبكة الأمن الخليجي العالمي باختيار فريد جاء من مبادرتها، وإنما برزت من إدراك سليم لمخاطر استمرار الانكشاف الأمني الذي استفاد منه نظام البلطجة الذي أداره صدام حسين وفرضه على العراق وكانت الكويت أعلى ضحاياه.

تغيرت الكويت وتبدلت خياراتها وتجاوبت مع صرخة أهلها الذين تحملوا مرارة الغزو العراقي واستعيدت الكويت بدعم عالمي غير مسبوق وأصبحت حرة في اختيار الأصدقاء والحلفاء الذين يشاركونها في بناء شبكة الردع لاستدامة أمنها ودوام استقرارها، والحقيقة أن مهندسي الغزو العراقي استغلوا الانكشاف الأمني الكويتي الذي فرضه الرئيس المصري جمال عبدالناصر على الكويت عام 1961 باعتمادها على قوات عربية رمزية تصد أطماع الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم، ثم رفضه بقوة دخول الكويت الجامعة العربية والأمم المتحدة اذا ما جددت تحالفها مع بريطانيا أو مع أي دولة كبرى.

كان المرحوم الشيخ عبدالله السالم أمير الكويت يميل لتجديد التزام الأصدقاء بأمن الكويت، لكنه أدرك استحالة دخول الكويت الى الجامعة العربية والى الأمم المتحدة في حالة تجديد التحالف البريطاني، وكانت مساعي الرئيس المصري جمال عبدالناصر لصد أبواب الجامعة العربية والأمم المتحدة في وجه الكويت مدعومة بالموقف السوفيتي الذي استعمل الفيتو في موقفين عام 1961 وبتنسيق مع مصر التي كانت عضواً في مجلس الأمن. وفي ضوء هذا الواقع المزعج، ظلت الكويت في انتظار الأمل المفرح الذي يتولد من مسار المستقبل مع تواصل المتابعة لما يحدث داخل العراق وخارجه.

ومع انضمام الكويت للجامعة العربية والأمم المتحدة عام 1963، سارت الكويت بأسلوب الوفاء لقرارات الجامعة العربية، لا صلة لها بالدول الكبرى، وانطلقت في دبلوماسية عروبية تتميز بالوفاء لقراراتها والعطاء لاسترضائها، وتبنت أسلوب التطوع لتقريب المواقف ولحل المشاكل، راضية بابتعادها عن الدول الكبرى، متحمسة بإيجابية لقرارات الجامعة العربية، متوسطة لحل المشاكل، ومتبرعة لتوفير العطاء، مبتعدة عن صفوف الدول الكبرى، ومستلطفة دورها في حل المنازعات، واعتقدت بأنها ودعت همومها الأمنية، بعد تبدلات الحكم في العراق الذي خضع لحكم البعث وقيادة صدام حسين الى حرب ضد إيران استهلكت طاقة العراق لمدة ثماني سنوات وتتعاظم طموحات صدام نحو الكويت والخليج ويحتل الكويت.

ومع الغزو العراقي خرجت ملفات كثيرة، أبرزها حاجة الكويت لآليات الردع المستمرة دون تراخ، ولأن الغزو وبكل خطوط القبح التي يحملها، دفع الكويت الى الجهة التي تملك منصات الأمن التي تريدها الكويت، وهي حماية كان للكويت ترابط تاريخي معها، تتمثل في الوجود البريطاني، وأبعد من ذلك، تتقرب الكويت نحو التحالف مع الولايات المتحدة التي كانت تحمل اهتماماً ملحوظاً بالشأن الكويتي، وتقبلت الكويت الاقتراب منها بتفهم وبروح المشاركة الدائمة. ومن تلك الخطوات التي شكلت الأعمدة الصلبة التي تؤمن استقلال الكويت، دخلت الكويت في فضاء لم يسبق لها الاطلاع على تفاصيله، ورأت فيه الضامن المؤثر، يعينها في صد التهديدات وتطويق نزعة المغامرة التي تتشبع بها قيادتا الجوار في العراق وإيران.

وكانت التوجهات الدولية تجاه واقع الخليج تتمثل في خطوات فيها تطويق لشهية التوسع لدى كل من النظامين الإيراني والعراقي، وهما يتبعان دبلوماسية فجة في مذاقها التوسعي، وصاخبة في تعاملاتها، ومهددة في حواراتها، وكان الخيار الدولي تطويق نزعة التوسع لديهما، وقتل خطط التوسع العراقي والإيراني، وقد وصل ضيق النظام العالمي من النوايا العراقية والتمنيات الإيرانية الى تحرك واشنطن لعلاج الوضع المهدد لخطتها للمنطقة، الأمر الذي دفع الرئيس بوش الى إسقاط نظام صدام حسين بالقوة، وإبراز الضيق الامريكي من دبلوماسية التجمع الديني الإيراني وخططه التوسعية وضرورة محاصرته عبر الوجود الامريكي في المنطقة، الذي ينشغل الآن في خلع الأسنان الإيرانية وتخليص المنطقة من حدتها، وهذا الهدف يشكل جوهر الدبلوماسية الامريكية التي ستبقى في المنطقة ويستمر النظام الايراني بدون لسعات، وراضياً بما يملك، مع خروجه من الشام ولبنان والعراق.

وبهذا تخلصت منطقة الخليج من نظام صدام حسين وخططه، ومن مغامرات إيرانية، وتتعمق شبكة «التواصل الخليجي – الامريكي»، كما تتقبل إيران قيود الوحدة المفروضة عليها بالقوة، ويتصاعد التقارب العراقي الخليجي، ويخرج منه المناخ الخليجي العملي والواقعي

نقلاً عن القبس

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى