قراءة في قصيدة “البحث عن زمن ” لـ صابر حجازي بقلم الناقدأحمد بدر

فبراير 14, 2018
عدد المشاهدات 888
عدد التعليقات 0
قراءة في قصيدة “البحث عن زمن ” لـ صابر حجازيبقلم الناقدأحمد بدر
………………….
أولا – القصيدة”البحث عن زمن ”
………………………………….
يكفيني..
أن أحكي القصة
وأٌقولَ ..
ما يُخْفِيهِلساني
وبرغمي
أذكر مأساتي
بحروفٍ تتساقط
من شفتي
تهوي
تحكي آلامي
*
في البدءِ..
عرفت الدنيا..أوهاماً
أقوالاً زائفةً..بهتاناً
وقبلتُ الواقعسجاناً
وقيوداً
في أيدي الحرمانِ
أقتاتُ فتاتا
وأقـَـــّبل أيديالأسياد
وبلاداً… أتغربفيها
أحمل أملاً فيالغدْ
أن ألقي يوماًشطآنًا
فعيوني ..تبغي أنتبصر
لكنْ
مصباحي – ذا -مطفأ
وطريقي.. فيالعين دخانْ
*
و لأني أحياإنسانًا
من جيلٍ يحملآثاماً
جيلٍ..
لا يعبأ بالماضي
لا يذكر أمجاداً
..وتراثَالأجداد
جيلٍ ..حين تريعيناه
لا تبصر
غير الخذلانْ
جيل يحيا ياسادةُ
بين الحرمان
يصبر…
لكنْ
لا يقدر أبداً
أن يحيا مخنوقالوجدانْ
*
جيلٍ….
يبغي أن يبصرزمناً
يلقاه بالحبَّ
ويجمع كلالأحلامِ
جيلٍ….
يبحث عن دربه
عن زمنٍ
كي يحيا فيه
يطوي يأسه
ينقذه ..
من قاع الهذيان
================
ثانيا – القراءة
……………….
من لا يحمل أمالاوأحلاما وأماني ميتٌ ولو كانت الروح تسكنه… كل منا يبحث في يومه عن غد يعانق كلالأحلام… يتزين بالسعادة والرضا والأمان… لكن كم منا من وجد أحلامه وأمانيهتنتظره على قارعة الطريق تصفق له مرحبة؟!!…
وكم منا من رفضالماضي ولم يجد المستقبل الذي يبغيه…
كم منا من شربالعلقم ليصنع غدا بطعم الشهد… فلم يجد في انتظاره ما يرضيه…
فهل نحن نسير فيطريق يبدأ بالسعادة التي تتقلص مع تقلص الطريق لتنتهي بيأس يأويه؟؟؟ هل السعادةطعاما نشتريه أم مكافأة من الله لمن جد وسعى ورضي بما كتب الله له من نعيم…
ونحن اليوم مع نصللشاعر (صابر حجازي) يتحدث لنا عبر بطله عن الحياة من منظار الكثيرين منا… علنانقف متأملين نجد سعادتنا فيما رضي الله لنا… وعندما نحسن استخدامه بالصورةالمثلى…
وضع شاعرناعنوانا لنصه (البحث عن زمن…) نبحث عما لا نملك… سواء فقدناه أو افتقدناه ونسعىلنيله… عما نريده ونحتاجه… ولا يعقل أن يكون الزمن نكرة… فكيف نبحث عمانجهل… لذا نرى أن بعد (عن زمن) محذوف تركه الشاعر ليقدره كل منا بحسب فكرهورؤياه… ربما يراه البعض: زمن السعادة… أو… الرضا… أو تحقيق الأماني… أو…
………………….
ويبدأ شاعرنا نصهبقوله: (يكفيني أن أحكي القصة… وأٌقولَ ما يُخْفِيهِ لساني)… ونشعر من البدءبمعاناته… ويبحث عمن يسمعه ليفرغ مخزون الأحزان الذي يسكنه… فنحن غالبا نحتاجلمن يسمعنا لنهدأ… ونشعر أنه كتم ما بداخله طويلا… حتى ما عاد قادرا على مزيدمن الصمت والسكوت… و حتى لو لم يجد من يستمع إليه أو يتعاطف معه… فإن مجرد أنيحكي القصة يخفف عنه… فأحيانا يكفينا الحديث عن معاناتنا لنهدأ…
يريد أن يتحدثعما يخفيه اللسان… والواقع أن اللسان لا يخفي شيئا… بل العقل من يلزم اللسانبالصمت فيصمت… فيكون ما يخفيه اللسان استجابة لإشارات العقل بالصمت… فهل تراجعالعقل… وسمح للسان بالتحدث… أم تمرد اللسان على قيود العقل وقرر الانتصار علىالصمت والبوح…
ويكمل شاعرنا:(وبرغمي أذكر مأساتي بحروفٍ تتساقط من شفتي… تهوي… تحكي آلامي)… ويبدو أنلسانه انتصر في معركة البوح… فرغما عن الضغط العقلي الذي يرفض البوح ينطلق لسانهويتحدث عن مأساته…
ويقول: (أذكر)…والذكر ما يجرج من الذاكرة ويجري على اللسان… فمأساته تعيش في مخزونه العقلي…وسيخرجها حروفا تتساقط من شفتيه… و(التساقط) من أعلى لأسفل… والتساقط لا تملكفيه الحروف رغبة أو مقاومة… بل دورها سلبي… تسقط ضعيفة متهالكة أو ميتة…و(تتساقط) على وزن (تتفاعل) التي من معانيها تكرار الحدث… فهي لا تسقط كتلةواحدة بل متتالية ومتتابعة وهذا يتلاءم مع الحروف والكلمات فهي لا تسقط فقرات…بل كلمات وجمل…
و(تهوي) من أعلىلأسفل… وتختلف تهوي عن تتساقط في سرعة السقوط ونتيجته… فتهوى تشير إلى التهالكوربما الهلاك… لتحكي عن آلامه… فالصمت كان عن البوح بالآلام والجراح والمصائبوالمصاعب… فتضعف القدرة على الصمت أو تتمرد عليه…
ويبدأ حكايته:(في البدءِ عرفت الدنيا… أوهاماً… أقوالاً زائفةً… بهتاناً)…
ونحن نعرف الدنيابعد المرور بخبرات فيها… لكن خبراته السابقة لا تحمل رؤية إيجابية… بلسلبية… فخبرته تقوده إلى أن الدنيا أكذوبة كبيرة…
وقوله (في البدء)توحي إلى أنها رؤية أولية لعلها تغيرت بعد مزيد من التجارب والخبرات…
لكن (في البدء)قد تحمل أيضا معنى فاتحة الكلمات… فأول ما سيدلي به من معرفة أن الدنيا تقوم علىالغش والخداع والتزوير… واِفْتِراء، وِاخْتِلاق….
ويكمل شاعرنا:(وقبلتُ الواقع سجاناً… وقيوداً في أيدي الحرمانِ) والقبول غير ارضا… فقد نقبلما لا نرضى مجبرين… فمن منا يرضا بالواقع سجنا يكبل حركته وتفاعلاته ورغباتهوطموحه؟؟؟ وقبل بالحرمان قيدا له… ونتساءل لماذا لم يتمرد على واقعه ويقبل به؟؟؟أليس مرد ذلك شعوره بالعجز… وربما ثقل المعاناة…
والواقع سجانا…فالسجان ليس شخصا يأتي ويغيب ويتغير… بل واقع مر ممتد يصعب تغييره… هل كان علىالشاعر أن يقول الواقع سجن؟ لعله أراد أن من الممكن التمرد عليه وتغييره رغم صعوبةذلك…
ويصف حالالاضطهاد التي يعيشها بطل نصه… (أقتاتُ فتاتا… وأقـَـــّبل أيدي الأسياد)
فهو يشعر بأنهعبد يعيش على فتات الأسياد… والقوت ما نقتات به لنبقى أحياء… والفتات ما يزيدمن بقايا الطعام…
ويكمل: (وبلاداًأتغرب فيها… أحمل أملاً في الغدْ… أن ألقي يوماً شطآنًا)… فهو يشعر بالغر بةويتمنى نهايتها بالوصول إلى مكان لا يشعره بغربته… والغربة عذاب… انقطاع للفرععن الأصل… والغربة قد تكون خارجية بحثا عن العيش الطيب… جسديا أو نفسيا أوفكريا… أو سياسيا… أو… وقد نغترب في أوطاننا إذا شعرنا أنها ما عادت لنا ولانحققها فيها طموحاتنا من الأمن والاستقرار والرضا والعمل والحرية والاحترام…فالوطن الفاقد للقيم يفقد مواطنيه إحساسهم بالانتماء… فقد يسرق الوطن منا… وقديسرق الوطن بنا… ونتحول إلى عبيد داخل وطننا…
فعيوني… تبغيأن تبصر… لكنْ مصباحي – ذا – مطفأ… وطريقي.. في العين دخانْ
*
و لأني أحياإنسانًا… من جيلٍ يحمل آثاماً… جيلٍ لا يعبأ بالماضي… لا يذكر أمجاداً…وتراثَ الأجداد
جيلٍ ..حين تريعيناه لا تبصر غير الخذلانْ
جيل يحيا ياسادةُ… بين الحرمان… يصبر… لكنْ لا يقدر أبداً أن يحيا مخنوق لوجدانْ
جيلٍ… يبغي أنيبصر زمناً يلقاه بالحبَّ ويجمع كل الأحلامِ
جيلٍ…. يبحث عندربه… عن زمنٍ… كي يحيا فيه… يطوي يأسه ينقذه. ..من قاع الهذيان…
وقوله: (بلاداأتغرب فيها) قد تكون واقعا يعيشه… أو أملا يتمناه… لأنه يبحث عن وطن يقدم لهوطنا في الغد… يبني آمالا لا يقوضها… يفتح آفاقا لا يسجنها أو يقتلها… يبحثعن شطآن أمان… والأمان جسدي ونفسي وفكري… أمان في الرزق والحرية والعطاء… كمنحتاج إلى أن نرسو على شطآن الأمان!!
ويكمل بطل شاعرنامأساته: (فعيوني تبغي أن تبصر… لكنْ مصباحي – ذا – مطفأ… وطريقي.. في العيندخانْ)…
يريد النوروالحرية والانطلاق… يريد أن يكون كغيره يرى ويسمع ويفكر ويتخذ قرارات… لكنهيشعر أنه غير قادر على الخروج من مأساته… فهو مكبل بما يحيط به من ظلم وكذبوبهتان… مكبل بغربة أجبر عليها… ووطن الغربة ليس وطنا… لديه الرغبة في رؤيةحقيقة ما حوله… لكنه غير قادر لأن مصباحه مُطفأ… ومصباحه قد يكون عينيه… وقديكون عقله وقدرته على تدبر أمره… وربما هناك من يضع يده على عينيه ليمنعه منالرؤية…
وبالإضافة لعدمالقدرة على الرؤية… فطريقه دخان غير واضح المعالم… فهو مكبل من داخله ومنخارجه…
ويكمل شاعرنا علىلسان بطله المنهك المحبط بكل معيقات الرؤية والحركة والفعل فيقول: (ولأني أحياإنسانًا… من جيلٍ يحمل آثاماً… جيلٍ… لا يعبأ بالماضي… لا يذكر أمجاداً،..وتراثَ الأجداد)…
ويبدأ في تشخيصأسباب المشكلة وأبعادها… فهو من جيل نما دون أن يرتبط بتراثه وأصله وأصالتهوأمجاد أجداده… فقد البوصلة… فهو امتداد طبيعي لمن قبله… فمن أنساهماضيه؟… هل قناعاته الخاصة؟ أم التربية القاصرة من قبل الوالدين والمجتمع؟ وربمامن قبل القوى الداخلية الراغبة في فصله عن ماضيه لتسهل قيادته… وربما القوىالخارجية التي سرقت تاريخه وثقافته وانتماءاته وتركته بلا ماض ولا حاضر ولا مستقبل…
فنما وكبر لايعرف ماضيا ولا يثق به… ولا يعترف بانتصارات أجداده الذين فتحوا بالإسلام معاقلالكفر…
ويكمل مبرزاعوامل خذلانه: (جيلٍ ..حين تري عينيه لا تبصر غير الخذلانْ… جيل يحيا يا سادةُبين الحرمان… يصبر… لكنْ لا يقدر أبداً أن يحيا مخنوق الوجدانْ)… نجده لايتحدث عن حال فردية قد تكون عوامل خاصة تركت أثرا عليها لنجده يتحدث عن جيلبكامله… جيل صابر يحمل الإحباط في عينيه… فهل يستمر العيش بهذه الحال؟ واستخدمشاعرنا أسلوب القصر ليقصر محتويات عينيه ووجدانه على الخذلان… خذله الجميع…خذله وطن سرقه أصحاب السلطة والجاه… وسرقته سلطات أخرى أقوى وأشد استطاعت تحويلسلطة بلده من وطنية إلى تابع يسعى لإرضاء القوي الذي يستطيع استبداله بآخر لو فكرأن يتذمر أو يتمرد أو يعلن العصيان…
جيل مهزوم منداخله… مهزوم لأنه لا يشعر بطاقة ضوء تفرش له طريق الأمل… فهل يتمرد أم يستكينللطوفان…
وحتى لا يظنالبعض أن الإحباط تحول إلى يأس يقيد العقل والأطراف… يختم شاعرنا نصه بقوله:(جيلٍ يبغي أن يبصر زمناً يلقاه بالحبَّ ويجمع كل الأحلامِ… جيلٍ يبحث عن دربهعن زمنٍ كي يحيا فيه يطوي يأسه ينقذه… من قاع الهذيان)… هذا جيل يطمح أن يبصرزمن الحب والتآلف… زمنا يجمع فئات الشعب بعيدا عن التناقضات والصراعات… زمنيمتطيه ليخرج من أزماته إلى بر الأمان…
وتوقفت عند (جيليبغي) هل يكفي كونه (يبغي) ليحقق طموحاته… فالرغبة غير كافية ما لم تساندها قوةالفعل… كلنا نرغب في تغيير حالنا للأفضل فهل نملك هذا بدون العزيمة الصادقةالقائمة على قناعة… وقوة تدفعنا للعمل الجاد القادر على إحداث التغيير… ويضعشاعرنا الحل… بالحب… الحب يجعلنا نتقارب نتسامح نغفر ونعفو… عندها تتلاحمالقوى وتتعاضد لتكون تيارا كهربائيا يصعق من يقف ليمنع النهر من العطاء… يصعق منيحاول أن يوقف الفيضان…
يرسم الشاعر لناصورة واقعية وإن كانت محزنة لواقعنا اليومي المعاش… ولا يتركنا ليأسنا بل يفتحلنا آفاق الانتصار على الذات وإذابة ما بيننا من تناقضات… لنوجه بوصلتنا نحوالحياة…
دام جمال حرفك…
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
Ahmad Bader – أحمد بدر
مشرف لغة عربيةبوكالة الغوث الدولية
أونروا (سابقا)
يقيم في غزة



