مسرحية سر الفداء نبوءةُ الإنتفاضةِ الفلسطينيةِ الأولى

فبراير 21, 2017
عدد المشاهدات 847
عدد التعليقات 0
مسرحيةسر الفداء
نبوءةُالإنتفاضةِ الفلسطينيةِ الأولى
للدكتورجمال سلسع
بقلمالأستاذ الدكتور قصطندي شوملي-جامعة بيت لحم
“أناالحجر الصارخ في بطن المقلاع”
لم تنل الحركة المسرحية في فلسطين من الاهتمامما نالته النشاطات الفنية والأدبية الأخرى. وعُرفت بدايات الحركة المسرحية فيالربع الأخير من القرن التاسع عشر من خلال حركات مسرحية مدرسية ازداد عددهاونشاطاتها في الثلث الأول من القرن العشرين، وبصورة خاصة اثر إعلان الدستورالعثماني عام 1908. وكانت المحاولات الأولى محاولات تقليدية لم تخرج عن كونهامحاكاة للمسرح الأوروبي. وارتبطت بنشأة المدارس الإرسالية والوطنية،وبتشجيع الجمعيات والنوادي الفلسطينية، والفرق المسرحية المصرية والشامية التيكانت تزور البلاد كجوقة الشيخين سلامه وعكاشه وجوق الممثل جورج ابيض عام 1912. وخرجالمسرح في عهد الانتداب من المدارس إلى الحياة العامة. وبرز عدد من المثقفينوالكتاب المبدعين الفلسطينيين في مجال المسرح، منهم نجيب نصار صاحب جريدة الكرمل،ويقال انه صاحب أول نص مسرحي فلسطيني اسماه “وفاء العرب”، ثم تبعهالرواد الأوائل وهم جميل البحيري وإسطفان سالم واسمى طوبي ونجوى قعوار وشكري السعيدوعائلة الجوزي. وهيأت الأنديةوالجمعيات الناشطة في فلسطين الجو لغرس بذور نهضة مسرحية، حيث كان التمثيل ضمنبرامجها الدورية. وكان جل ما قدم علىالمسارح الفلسطينية في العشرينات والثلاثينات من هذا القرن مسرحيات مترجمة مناللغات الأجنبية، أو مقتبسة عنها. وكان الرواج الأكبر للمسرحيات العربية مثلالمرؤة والوفاء لخليل اليازجي، ومجنون ليلي وكليوباترا لأحمد شوقي، والسموأل أووفاء العرب لأنطوان الجميل، والسلطان صلاح الدين الأيوبي لفرح أنطون، ومعركة ذيقار لنصري الجوزي، ومسرحية “حسن” لبولس شحادة، ووالي عكا لعزيز ضومط.
ولكن نكبة عام 1948 أحدثت انهيارا كبيرا، فتشتتالشعب ونزحت الكفاءات والرموز الثقافية، وانهار قوام المجتمع الفلسطيني، وأصبح منالصعب إعادة التوازن إلى المشهد الثقافي العام في ظل الواقع الجديد الذي فرض نفسهعلى المكان والزمان، وكان صعباً إعادة إحياء الازدهار للحركة المسرحية الفلسطينية. وكانتالحركة المسرحية في العهد الأردني ضعيفة، وانحصرت في مجال العروض التي تقدمها فرقالهواة في المدارس والمعاهد الثقافية. وظهرت في الستينات مرحلة جديدة من التطوروالنمو، تمثلت في العروض المسرحية لأسرة المسرح الأردني وفرقة المسرح الحديث بإدارةجريس مغنم في رام الله .
وشهدت المناطقالمحتلة في فلسطين في أوائل السبعينات انطلاقة عفوية لحركة مسرحية، كشفت من خلالعروضها ممارسات الاحتلال ومشاريع التسوية. وأقيمت الفرق المسرحية المختلفة، مثل أسرةالمسرح، وفرقة بلالين، وفرقة مسرح الهلال، وفرقة دبابيس، وفرقةالمسرح الشعبي ، وفرقة المسرح الحديث، وفرقة كشكول، وفرقة المسرح الحي، وفرقةالمسرح الفلسطيني، وظهرتفرق أخرى مثل مسرح الزيتون، وصندوق العجب، ومسرح الحكواتي، والمسرح الوطني الفلسطيني، ومسرح القصبة.وتنبهت سلطات الاحتلال إلى دور المسرح في توعية وتثقيفالجماهير في الأرض المحتلة، فاعتبرت جميع الأعمال المسرحية تحريضية، ووضعت القيود أمامهافي المناطق المحتلة، ولذلك تمركزت الحركة المسرحية في القدس. وخلفت هذه الحركةخلال تلك الفترة عددا من الكتابات المسرحية المحلية، تعكس واقعنا بما فيه من هموموآمال، إلا أنها كانت قليلة. ولم يبرز لدينا اسم كاتب مسرحي مشهور، رغم وجودالعديد من الأدباء والكتاب، واضطرت الفرق المسرحية إلى اللجوء إلى النصوص المسرحيةالعالمية ومحاولة توفيقها مع مجتمعنا، مما يفقدها نوعا من تماسكها. ولجأ مسرحيونآخرون إلى أسلوب الكتابة الجماعية للمسرح تمشيا مع الواقع الذي يعيشه الفلسطينيونتحت الاحتلال. وعرفت في هذه الفترة كتابات فردية جادة منها كتابات راضي شحادة،ومسرحيات معين بسيسو وعبد اللطيف عقل ومحمد كمال جبر، كما اصدر جمال سلسع مسرحية شعرية بعنوان سر الفداء، وظهرت فيالجليل والمثلث كتابات مسرحيه مميزه، مثل كتابات إميل حبيبي المسروائية لقصتيالمتشائل ولكع بن لكع، وأعمال مسرح الصداقة النصراوي، ومسرحيات غنائية واستعراضيهلسميح القاسم، وأعمال مسرح البلد. وكتابات إدمون شحادة وسليم خوري. وعانت الحركة المسرحية خلال هذه الفترة من غيابالنقد العلمي والموضوعي المواكب لمسيرتها والذي يعمل على تقييمها وتوجيهها بهدفدفع سقف الإبداع الفني وتعميق المضامين الفكرية والتقدمية في الأعمال المسرحيةالمقدمة[1].
وستناول فيهذه الدراسة المضامين الفكرية التي احتوت عليها مسرحية “سر الفداء”[2]لجمال سلسع، وكيف ارتبطت بالظروف التي كانت تمر بها البلاد في تلك الفترة، حيث قدمترؤية تمثل انتفاضة شعبية قبل حدوث الانتفاضة في عام 1987. وتدور أحداث المسرحيةحول قصة ظهور عصابةشريرة في بلاد المشرق العربي، تقوم بهجماتها الوحشية على القوافل التجارية والجماعاتالمسالمة، تدمر ممتلكاتها وتنهب أموالها، وتغرس مرارة الموت والأسى في قلوب الناس.وكان في تلك المنطقة قرية تشتهر بجمالها وخصب أراضيها وحسن موقعها، تدر من الخيراتالشيء الكثير. كانت تعيش في كنف الهدوء والطمأنينة، لولا رياح العصابة الشريرة،التي أشعلت القرية بالتوتر والخوف والغضب. كانت نار الرغبة ولوعة الانتقام تأكل أحشاءالعصابة لأنها لم تستطع الاستيلاء على القرية. فقد وقفت أسوار القرية وأهلها فيوجه تحقيق شهوات العصابة الجشعة وقفة عملاقة. فتعاظم سخط العصابة وغضبها علىالقرية وأهلها، وصرخ في أحشائهم وحش مفترس يسيل من فمه لعاب الشهوات الحيوانيةالمجنونة، طالبا دخول القرية بأية حيلة وبأي ثمن. فالتجأت العصابة إلى رجل غريب عنهذا الشرق. لكن له علاقات يزينها بالمودة والمحبة لأهل القرية. وكم أشعلت هذهالعصابة المتاعب والمشاكل في بلاد هذا الرجل الغريب، فأراد هو أيضا التخلص منالعصابة ومتاعبها وأوجاعها من خلال إسكانها في هذه القرية، ليخلص بلاده من شرها.وهكذا التقت الرغبتان على قاسم مشترك واحد. فأشار عليهم دخول القرية على انفرادوبمرافقته واحدا تلو الآخر، وفي أوقات متباعدة، ليبدد ظلال الشك من عيون أهلالقرية. ويتم ذلك من خلال الإيحاء لأهل القرية بأنهم من ذوي القربى تارة، وتجاراتارة أخرى، وأغنياء يريدون القيام بمشاريع زراعية وتجارية وصناعية تعود على القريةبالخير والتقدم. وتم إدخال معظم أفراد العصابة بهذه الخدعة الماكرة، رغم احتجاج أهلالقرية ورفضهم، إذ ارتسمت علامات الشك وعدم الرضى على تصرفات الرجل الغريب،وعلاقته بالمهاجرين إلى القرية. إلا أن الرجل الغريب بسلاحه وأعوانه كان يقاوم كلرفض واحتجاج. وبينما كان رفض الناس في مدّه وجزره، اهدى الرجل الغريب للعصابة أموالاوأسلحة كثيرة، وتم الاستيلاء على القرية. وفرض رئيس العصابة نفسه حاكما عليها، وأفرادالعصابة حراسا وجنودا له. وتروي المسرحية أن شعب القرية رفض سيطرة العصابة على القريةوأشهر كل أنواع المقاومة الباسلة ضد العصابة. وبدأ رئيس العصابة يفكر في كيفية إحكامقبضته الشريرة على القرية: فأرسل يستدعي مختار القرية وبعض الأشخاص الذين نطقتعيونهم بالاستعداد للتعاون مع الحكم الجديد، وحمّله مسؤولية ما يحدث فيها من رفضواضطراب وفوضى.
تجسِّد هذه المسرحية الشعرية ثورة أطفالالحجارة، بكل أبعادها ودلالاتها. وتدور أحداث الفصل الأول في مشهدين: يدور المشهدالأول من المسرحية في قلعة عسكرية يحيط بها الجنود. ويدور المشهد الثاني في بيتالمختار الذي يجلس وهو ممتلئ بالسعادة والجاه، يرقد على مقربة منه رجل رث الثيابيضرب على ربابته ألحانا حزينة، ثم تدخل بعد قليل أم أحد الأطفال غاضبة ثائرة لماتعرض له طفلها. ويجسِّد الشاعر في هذين المشهدين الاحتلالوبطشه وأعوانه والمستسلمين لرغباته، وما يقدِّمه من إغراءات وشهوات فاسدة لخونةالوطن، جسَّدها بابنة الحاكم. فالحاكم في قلعة عسكرية، وحوله بعض جنوده، وأمامهيقف المختار الذي يجسِّد الاستسلام، والراقص الذي يجسِّد الروابط المتعاملة مع الاحتلالفي ذلك الوقت، وبجانبه يهوذا الخائن، وتقف في الجانب الأخر ابنة الحاكم التي تجسِّدالإغراءات التي يقدِّمها الاحتلال من أجل السيطرة على الأوضاع، بما فيها منإغراءات مادية وجنسية. والشاعر في هذا التجسيد لا يبتعد كثيرا عن حقيقة الواقع. ويحاولالمختار أن يطمئن الحاكم على أن الوضع بخير، في حين يبدو الحاكم قلقا من غضبالأطفال، فيقول:
ألقينافي الترعة أحلام الأطفال،
ودربالشهداء
أطفأنافي ماء الليل لهيب الغضب،
المتأججفي الأحشاء
ورفعنافوق جراح الهامة
أعلامابيضاء
لكنَّالشارع مملوء في صخب
يتفجَّررفضاً… ودخاناً…وحجارة
تلتهمالأعلام البيضاء.
تتوقَّدفي درب الأطفال منارة
وفي هذه الأثناء تُسمع أصوات من الخارج تصيح بغضبقائلة:-
الورد القاني ملح الأرض
لن يخرج بركاني
إلاَّ من أرضٍ يرويها
لون الورد القاني
ويعلِّمُها أشكال الرَّفض
فيشتعل الحاكم غضبا مخاطباً جنوده قائلا:
فلتخرج كل عيون الليل،
وتبحث عن هذا الورد القاني
فأنا لا أدري
كيف سترسو أجفاني
في ميناء النوم
ويسكنها قلق يرهقني
يمثل الورد القاني في هذه الصورة الشعرية الأطفالالذين يستعدون للتضحية والفداء.
أما يهوذا فيقول:
رائحة الورد تمزِّق أنفاسي
ما دامت تسري
في شريان الطفل،
وفي قلب الإنسان
تتحدى الليل، وسوط الريح، وأحلام السلطان
أما الراقص فيوَّجه كلامه لابنة الحاكم قائلا:
ما دامت رغباتك يا مولاتي
تغمر أحلامك بالنشوة
فلنبحث عن لون الورد القاني
نسكبه عطراً
تحت الأقدام الحلوة
ولكنَّ الهلع والخوف يملأ قلب الحاكم فيرد قائلا:
لكنَّ حقائق هذا الكون
تُطلُّ علينا
تدفعني في ظلمة شكٍّ
ينهش فرحة أيامي
فيمزِّقُ حقَّ الأرض وثوب التاريخ
وعندما يلقى القبض على أحد الأطفال يقف أمام الحاكمويقول:
علَّمني حب الأرض بمدرسة الأيام
دروس الكون،
وما معنى…
ما يُدفع من روحٍ… ودماءٍ
في بنك التاريخ، لتسديد ديون العشق.
علَّمني جرحي…
كيف تعيش بذور الأرض، وتنمو فوق جبينٍ
ينزع من جوف الليل،
شعاعَ الحق.
وتجسد هذه الكلمات دوافع أطفال الحجارة. وتجسِّد نظرةالحاكم لما يجري حوله، موجِّها كلامه إلى الراقص وهو يشير إلى الطالب قائلاً:
معتوهٌ يتغنى في عشق الأرض،
ويبحرمع أمواج الأحلام الخطرة
فيجيب الراقص متلعثما:
لحنكيبحر يا مولاي…مع خفقان القلب يردد،
أغنيةنضرة
ويرشُدروبي خبزاُ وغوانٍ
مجنونٌمن يبحر إلاَّ
معقرشٍ أو خمرة
وهنا يكشف الشاعر عن جوانب أخرى في الصراع مع الاحتلال،تتمثل بزمرة من الخونة الذين اخذوا عقوبتهم على يد أطفال الحجارة. وبعد اعتقال الطفلتذهب الأم إلى المختار لينقذ ولدها من السجن، فيرد المختار عليها قائلا:
الأرضُستعشق من يتزوَّجها
ويدثِّرها
فيسنبلةٍ ومياه
وترد أم الطفل:
لكنَّ الليل اغتصب الأرض،
وأغرقها
بدماءٍ…ودموعٍ…وبأه
وتقول أم الطفل للمختار المهزوم أن لا خلاص لنا إلاّبدرب حجارة الأرض:
لا… لا تترك أقدام الليل
تجوس على ضفة عمرك،
تسحق في قلبك
إسماً وهوية
مؤكدة في موقف آخر احترام درب حجارة الأرض قائلة:
لا…لا ليس لنا
إلاَّ طوق الأرض خلاصاُ
من هذا اليم
فالأرض تعلِّم كيف يكون العوم
وعندما ترى أم الطفل يهوذا تقول له:
القبلة من شفتيك غراباً
يأخذني لضياع العمر،
وينهشُ جسم الأرض،
ويلقيها في كهف النسيان
ولكن يهوذا يرد قائلا:
القبلةفي هذا الزمن الأسود
نبعيتدفق في أرض جرداء.
تدور أحداث الفصل الثاني فيمشهدين: المشهد الأول في بيت المختار الذي يبدو حائرا وعليه إمارات القلقوالاضطراب يتنقل في البيت بحركة عصبية وخوف. وقد دعا إلى اجتماع عام في بيتهليتداول مع أهل القرية في شؤون الساعة. ويدخل غريب والصامد والراقص وجمع من أهلالقرية. ويدور المشهد الثاني في مقر الحاكم في قلعة عسكرية حيث يقف الحاكم فيوسطها محاطا بعدد من جنوده، ويقف أمامه المختار والراقص، وتقف في الجانب الآخرابنة الحاكم. ويظهر في المشهد الأول الانتماءالحقيقي للأرض بين الغريب والصامد والراقص، فالغريب لا يفهم نداء الأرض ولا طعمالحرية فيقول:
هذي الوطنية لا اهضمها
أحشائي ترفضها
تتقيأها في مزبلة وهمية
والحرية لا أفهمها
ومعانيها لا تتفتَّح إلاَّ
في درب الأممية
ويعود المختار مؤكداً على انهزاماته قائلاً:
هذا عصر مراهقة وطنية
زمن يتغنى في حب الأرض،
وموال الحريَّة
ولكن الصامد على أرضه من اجل أن يمسح دمع الأطفالويواسي جرح الأرض فيقول:
من يتدثَّر في ثوبٍ
يسرقه من أوراق اللوز،
وعطر الليمون؟
غضب اللوز ونار الليمون
اسياطا تبقى
تجلد ظهر الليل وتحرقه
في بوتقةٍ…
تتوقَّد من جرح الأرض
ودمع الزيتون
ويستمر الجدال بين الجميع ويقول المختار المهزوم في نهاية الأمر :
هذا قدرٌ يتسلَّقُ قلب الشعب
فيجيب الصامد محتدّاً:
هذا كتاب صلاةٍ تتغنى فيه،
في كنس الليل،
وقرباناً تدفعه
فوق مذابح عارٍ وخنوع
لتسدد فيه الليل الجاثم
فوق ضمير باع الحق بقرشٍ
يغمس سمَّاً
ما بين جراحٍ ودموع
أما أم الطفل فتشير إلى المختار في غضبٍ وتحدِّقائلة:
تتكوَّمُ في كرشكَ مزبلةٌ
من تحت موائدِ أعوان الليل
وأنا يتوقَّدُ في أحشائي
غبرَ الجوع…
جيبك ينفخها دينارٌ ذهبي
دسَّته جيب سوداء
لكن جيوبي يملؤها
غضبٌ
جوعٌ…ووفاء
وتشتعل الأرض غضبا وعطشا للحرية، وتنطلق الصامد متوهجا،حيث يقول:
قنديلي…
قنديلي في القلب وفي الصدر،
وفي الجرح
يتوهَّج في عتمة ليلٍ همجيٍّ
حتى الصبح
وتلتقي أبنة الحاكم مع الطفل وأمه في محاولة لردعه عندرب الانتفاضة، مستهزئة بحجارة تصرخوتقول:
حجرٌ يصرخُ محتدّاً
لا يصمدُ في عصف الريح
مهما اشتدَّ الساعدُ عوداً
والتهبت غضباً
عين جريح
فتجيب أم الطفل قائلة:
جلياتُالجبار تهاوى قزما
منحجرٍ يصرخُ في بطنِ المقلاع
فيظهرالطفل قائلا:-
نحناليوم الحجر الصارخ،
فيالظلمة،
فيبطن المقلاع
ثم يقول الحاكم موجها كلامه للراقص ويهوذا والصامدوالصامت:
هل تسمع هذا الهذيان الثوري؟
فيجيب الراقص:
هذيانٌ ينسج أوهاماً
في عقلٍ ينهشه الجهل الأبدي!
فيجيب الطفل محتداً:-
من تحت الحجر الغاضب يولد سيف
يستلُّ الأغنيةً الحمراء،
يواجه سطو العنف
ويعانقُ أمواجاً تتحدى
ليل العصف.
وتدور أحداث الفصل الثالثفي مشهدين: الأول في مقر الحاكم حيث تبدو عليه إمارات الاضطراب والخوف وبجانبهابنته قلقة خائفة. ويدعو الحاكم في المشهد الثاني إلى اجتماع لأهل القرية حيث يتواجد الجميع ،وفي هذه المرحلة يحضر الصامت الذي يجسِّد شريحة من الشعب التي كانت تراقب الوضع عنكثب. وفي هذا الاجتماع يحاول الحاكم نثر الغبار في العيون، متناسيا ثورة الحجارة فيرفعكأساً مملوءة بالخمر قائلا:
فلنشرب خمر الفرح الأخضر
في هذا الكأس الدامس
فاليوم يموت الورد القاني
في صحراء العمر،
ويدفن في ظلمة سجنٍ أخرس
فيهبُّ الصامت محتداً ويقول:
ومتى كان الحب الأصفر
درباً
يتدفَّقُ بالوعد الأخضر؟
فيتعجب الحاكم مندهشا من تحوُّلِ الصامت وغضبه، فيقولمندهشاً:
من أينَ أتيتَ بهذا القلب الشامخِ،
فوقَ سياط الليل؟
الصامت:
علَّمني جرح الأرض طريقَ العشق.
علَّمني…
كيفَ أواجهُ ليلاً
من قلبي
من شعبي اغتصبَ الحق.
وفي هذه الأثناء تدخل مجموعة أطفال تبدو عليهم نشوةالنصر وينشدون:
نشرتني الريحُ جنيناً
يحملُ حبات القمحِ،
لتنمو في كلِ مكان
تتغذَّى من سوط الليل،
فتكبر…تكبر
حتى تتحدى…تتحدى جرح الأيام،
وتحبل بالبركان
تظهر بعدها مجموعة ثانية من الأطفال بثياب بيضاء… حمراء…خضراء…وسوداءتصحبهم موسيقى النصر وتقول:
يا…يا عاصفةً…يا غيمة
صبي غيثك رحمة
إن شئت_ فإن لم تسطيعي
صبيِّهِ رماداً أو نقمة
أو جودي بالمطر الأسود
لا تنتظري موت العتمة
فجوع الأرض شديد
وزحوف النور من الأرض الجوعى
تولد…
ومن الأرض الظمأى تولد
تولد شمساً
قمراً
نجمة
تولد من رحم الظلمة
وتنطلقانتفاضة أطفال الحجارة ضد الحاكم وأعوانه÷ فيصرخ الأطفال ويقولون:
نحن اليوم الحجر الصارخ
في بطنالمقلاع
ويدعو الحاكم جنده وأعوانه “غربان الليل” كي يسحقوا انتفاضةالحجر قائلا:
يا غربان الويل هلمِّي
حطِّي فوق الورد القاني
واقتاتي
من جثثِ الأحلامِ المسحوقة
ويُطلُّ المختار الذي يجسِّدُ الاستسلام والتعاون،كحال روابط القرى في ذلك الوقت فيقول مسانداً تطلعات الحاكم:
والليل ألا تسمع،
يرقصُ في الساحةِ رقصةَ سالومي
ويقدمُ خبزاً ونبيذاً
للساكن في ظلِّه
ويقدم كأس الموت، لمن يتحدّى أو يعصي أمره
وتستمر الانتفاضة حيث تظهر مجموعة أخرى من الأطفال فينفس ثياب علم فلسطين وتقول:
رايتنا فوق الهامة
ضمَّخها عطر الأرض الخضراء
لوّنها نهر الشهداء
سوَّدها حقد الليل الخاسر معركة… وبقاء
يستحضر الشاعر في هذا المشهد الرموزالتراثية القديمة ويجعل منه المعادل الموضوعي لتجربته الشعرية. فاستحضر سالوميويهوذا وجليات وداود ومقلاعه، كما أعطى رموزاً ودلالات لأسماء كثيرة مثل المختاروالصامد والصامت والراقص وابنة الحاكم والغريب، مما أثرى العمل المسرحي الذي يعتبرنبوءة الانتفاضة بكل أحداثها وصورها. خاصة وأن الشاعر في ديوانه الشعري “عندماتتكلم الحجارة”[3]يصف انتفاضة الحجارة بصور ودلالات حيَّة من الواقع المعاش فيقول:
ودماء القدس في الأقصى تصيح
وخطى النور عجوز
لفَّه ليلالضريح
كيف يحيا المجد فينا
وشموخ الأرض
مصلوب مسيح؟
علِّميني يا حجارة
كيف في الكف تكونين الشرارة؟
ثم يقول:
علَّمتني كلُّ أحجام الحجارة
كيف أبني من ضياعي وشجوني
ألف درب للحضارة
كيف أبني من دموعي وعذابي
فرحة الأقصى وعيسى والبشارة
علّمتني كلُّ الوان الحجارة
إنها في كف أطفال بلادي
قلم يكتب صدق التاريخ
يمحو…
كل زيف وسكون… ومرارة
وقد كتب الشاعر عبد الوهاب البياتي في مقدمة هذا الديوان يقول: “ماأريده هنا هوالإشارة إلى لهب القصائد الأزرق، والى كلمات الشاعر الفلسطيني التي تنزف دما تحتقبة سماء النصف الثاني من القرن العشرين، وتصبغ الماء والهواء والقبل والنظراتوالأيدي، وتكتب ملحمة شعب بطولية، وتكون معادلا موضوعيا للواقع والأسطورة والكلمةوالفعل والشعر والبندقية والجرح والسكين والنار والرماد. دائما لا يطفو على سطحالبحر سوى الجيف، وأم الدرر فتبقى في قاع البحر.”
وأخيرا لم تلق هذه المسرحية الشعرية عند نشرها عام 1983 الاهتمام بمضمونها، وبقيت مجهولةفي قاع البحر، ولكنها كانت “الحجر الصارخ في بطن المقلاع”. فالقرية التي تدر لبنا وعسلا هي إشارة واضحة إلىأرض كنعان الفلسطينية و”الحجر الصارخ في بطن المقلاع”، كان استشرافا منالشاعر بانتفاضة أطفال الحجارة عام 1987. وقد استطاع الشاعر أن يعبر بشكل مسرحيشعري عن الواقع المأساوي الذين كان يعيشه أهل الأرض المحتلة، وحاول من خلالاستخدام الرموز التراثية وأسماء الشخصيات أن يؤرخ للأحداث التي مر بها الشعبالفلسطيني. إذ كانت الظروف الصعبة والقيود الصارمة المفروضة على حرية الكتابةوالتعبير قد دفعته إلى التعبير عما يجول في وجدانه وعن رفضه للاحتلال باستخدامتجارب فنية جديدة. وإن القيمة الحقيقية لهذه المسرحية هي في تطوير الحدث فيالمسرحية بصورة تتطابق مع الظروف التي كان يعيشها في الواقع والتي أدت كما تنبأ فيالمسرحية إلى ثورة أطفال الحجارة.
د.قسطندي شوملي
جامعةبيت لحم



