ادب وثقافة

“سوء الظنِّ.. عصمة”

ديسمبر 16, 2017
عدد المشاهدات 1547
عدد التعليقات 0
“سوءالظنِّ.. عصمة”
إبراهيميوسف – لبنان
 
في التعقيب على نص: “عندما زلَّ شوقي”
للبروفسير فاروق مواسي
 صاحب الفضل الكبير
 على الكتَّاب والقرّاء..واللغة العربية كذلك
 
أمير الشعراء شوقي مدح الإنكليز، ولم يقصّرْ في مديحه للأتراك،ولم ننسَ وينسَ آباؤنا بعد جمال باشا السفّاح، ومصادرة الأملاك الزراعية والمحاصيل،وانتشار الجراد والهجرة والمجاعة التي عصفت بالبلاد، وقضت بالموت في الطرقات علىثلث سكان جبل لبنان، ممن كانوا يفتشون عن حبوبٍ في السرجين وروث الدواب، تبقيهمعلى قيد الحياة. “والأرمن والأكراد والسوريون والبلغار أيضا”؛ يشاركونناسلبية مشاعرنا تجاه الأتراك، دون الالتفات إلى المصالح؛ تعيد التفاهم بين مختلفالشعوب وسائر الأعراق؛ ما دام لواء اسكندرون لا زال تحت الاحتلال.
 
 أما شوقي غفر الله لهولنا يكيل لهم المديح ويحسن الثناء عليهم بلا حساب. خلافا لبشارة عبد الله الخوري”الأخطلالصغير”، وريث شوقي على كرسي الإمارة وشاعر “الهوى والشباب”؛ حينمانأى بنفسه عن أسلوب الإسفاف والتردي في المديح؛ فلم يكن شاعرا تحت طلب الحاكموبطانته.. لكن دون أن تغيب عن باله ووجدانه، القضايا الوطنية بتجرد خالص وقناعةصادقة.
 
ونحن في لبنان لم نعفِ الأتراك بعد من مسؤولية وتبعات مافعلوه في بلادنا، وما لحق بنا من الضَّيم على أيديهم. لم ولن نسامحهم بلواء اسكندرونفهذه بلاد أهل الشام. كما لن نهادن “اليهود” أو نسامحهم بالقدس وأرضليست أرضهم ولو بعد ألف عام، ولو برّأتهم من دم السيد المسيح، محاكم”العدل” الدوليّة وروما وحاضرة الفاتيكان؛ وشوقي عفا الله عنه مرة أخرى، شبّه أتاتورك بالقائد المغوار والصحابى الجليل سيف اللهخالد بن الوليد، فقال عنه في قصيدة طويلة أقتطف من مطلعها بعض الأبيات فحسب؛ ويقولشوقي في مديحه:
 
“اللهأكبر كم في الفتح من عجب *** يا خالد الترك جدد خالد العرب

صلح عزيز على حرب مظفرة *** فالسيف في غمدهوالحق في النصب

 يا حسن أمنية في السيف ما كذبت *** وطيب أمنية في الرأي لمتخب

 خطاك في الحق كانت كلها كرما *** وأنت أكرم في حقن الدم السرب
سئلت سلما على نصر فجدت بها *** ولو سئلت بغير النصر لم تجب
مشيئة قبلتها الخيل عاتبة *** وأذعن السيف مطويا على عضب”
 
وما دامت دواعي الحديث تجرُّ بعضها البعض، ولا تخلو من العبرةوالحِكَم؟ وبعد خطٍ باللون الأحمر العريض تحت عجز البيت الأول، وتحت مفردة الحق فيمطرحين من بداية القصيدة؛ فأتراك الأمس واليوم تَشْتَبِهُ في عقولهم “ومسلسلاتهم”الممجوجة، جملةٌ من فوضى الوعي وحماقة التفكير؛ فهؤلاء لم يبدعوا في شيء عبرتاريخهم الدموي الطويل، فلم يميزوا بين الحق والباطل، أو “بين الثعالب والحمير”!؟.. وهو موضوع الحكايةالقصيرة التي كانت مركونة ومنسيّة في زاوية من زوايا الحاسوب؛ والتي أرجو لها أنتلاقي استجابة مقبولة، وعناية متواضعة من الأخوة القراء.
 
تخرَّجَ بامتياز من أرقى “جامعات الثعالب”في البلاد، وتتلمذ في نَظْمِ الشعر والوطنية على أيدي *فخري البارودي، وعبد القادرالجزائري، وسلطان باشا الأطرش، وأدهم خنجر وطانيوس شاهين، وغيرهم من جهابذة قادةالعرب المخلصين في شتى الحقب والأزمان، فأتقنَ العمل في السياسة على خطىمعاوية بن أبي سفيان، وتلقى الحكمة بوحي من أكثم بن صيفي التميمي “بأن حسنالظنِّ ورطة”، وتأثر بخالد بكداش في فن الخطابة والمقدرة بكفاءة عالية على الإقناع.
 
ثم حملَ خطاباً بليغاً أعدَّه عن “الحربِ والسلام”. ضمَّنه إبداع سائر العباقرة في التاريخ، ليلقيه على مسامعِ البابِ العالي في”استنبول”، والتقى عسكرَ السلطان على الحدود، فأخبروه أنّهم فيالبلاد يستخدمون الحمير، “يرسلونهم” إلى **”السفر برلك”،للسخرة وقضاءِ مصالحِ الرَّعيَّة وحَملاتِ حروبهم على الآخرين..!؟
 
مهروا له جواز سفره وأكدوا السماحَ له بالدخول، فلا ضيرَ عليهمن الزيارة ما دامَ لا ينتسبُ إلى فصيلة الدواب؛ وما دامتِ السخرةُ تقتصرُ علىالحمير!؟  ولما كان”سوء الظن عصمة”؟ فقد تحرَّكت في داخله فطنةالثعالب، وخافَ على نفسه من المغامرة غير المحسوبة، فعادَ أدراجَه إلى دياره..وعندما سألوه عن السبب..؟ قالَ لهم: سأتورّطُ وقتاً طويلاً في الخدمة وأعمالِالسخرة؛  قبلَ أن يميزوا بين الثعالبِ والحمير. 
 
* فخري البارودي: صاحب نشيد بلاد العُرْبِ أوطاني.
 
**”السفر برلك”: إبان الحرب العالمية الأولى تحالفتتركيا مع ألمانيا، في محاولة لإيقاف الانهيار المتواصل في البلاد التي خضعتلسلطتها، والتي كانت هدفاً لأطماع الدول الكبرى السائدة آنذاك، و منها بريطانيا وفرنسا.  ما حدا بتركيا إلىخوض حرب  قاسية مع هذه الدول، ولذلك قامت بتجنيدأعداد كبيرة كانت غالبيتهم من البلاد العربية، فيما عرف لاحقاً “بالسفربرلك”، وشاركت أعداد كبيرة من شباب العرب في هذه الحرب، وكثير من هؤلاء لميعودوا إلى ديارهم ولم يعرف أحد أين ماتوا أو دفنوا.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى