ادب وثقافة

حكاية الحقول على باب الحظيرة

أكتوبر 04, 2017
عدد المشاهدات 4394
عدد التعليقات 0
حكاية الحقول
 
على باب الحظيرة
 
إيناس ثابت
 
 

 
فوق بساط أخضرأتقنت صنعه أيدي رب السماوات، ونسجته من مشاعر حوريات في الفردوس. حملته ملائكةالسماء وفرشته مرجا حالما على الكون، لتغفو الأرض الفسيحة في طبيعة مدهشة بماحباها الله من الروابي والتلال، ومن السهول والبحار والوديان. طوت ملائكة الرحمنالبساط كما الكنز أو  كسجادة سندس خضراء لتفرشه وتزين به أديم الأرض.
 
حمل السجادة آدمعبر السماوات، بعد أن طرده ربه من  نعيم الجنة وأنهار العسل واللبن، بسببالأفعى وشجرة التفاح وما فعله آدم وحواء، ثم بنى آدم لنفسه عالما جديدا على كوكبالأرض، فاستعاد نفوسا سليمة وقلوبا طاهرة رضيَّة، مجبولة على المحبة والتسامحوالسلام.  
 
هكذا بينالينابيع وجداول مياه رقراق، راحت حواء تتسلل وتزحف بين الشجيرات، ونسيمات منعشهتدغدغها تحاكي صفاء الأرواح، وخمائل أشجار ساحرة وحدائق غناء، مرصعة بالوردوالبنفسج والأقحوان، وبديع الزهر الملون وشذاه الفواح، والبلابل طروبة ترفرف فوقالسطوح، تتمايل أجنحتها بالرقة والمحبة والحنان، والحساسين عند الصباح تنافس رصانةالنحل وروعة ألوان الفراش، ترافقها خرفان ونعاج بيضاء كالثلوج على قمم الجبال.
 
 كبرت وشبَّتْوترعرعت، ولا تعرف بين يديها معنى دمية صوفية منفوخة الخدين، ولا اللعب بعروسهيفاء القد ذهبية الشعر، جورية الشفتين فاتنة العينين ساحرة  الثياب. كانت أكثر ما تجهل معنى البحث عن أشجعالفرسان، يطير بها على صهوة حصان مُطَهَّم أبيض، ويلقي على مسامعها قصائد المتيمالولهان.
 
 فلم تعثر على ذاتها في غير الطبيعة العذراء، تشدها وتغريها بالمحبة والرأفةوالحنان. وقلبها مشغوف باكتشاف مخلوقات الطبيعة والتعرف إلى الأسرار، فتتعلم فلسفةالدنيا وبهجة الحياة، والترفع عن الصراع وحب الجاه والمال، أو الموت من أجل الوصولإلى التيجان، والمزيد من البحث عن الأوهام كما يفعل سائر بني الانسان.
 
مع كل صباح كانتالطبيعة تغريها بلمسة عشق، وتحمل إلى يومها روحا جديدة، فيزهر قلبها وينشط عقلهاوتلقي بنفسها بين أحضان الغابات، فتجس بحواسها كل جديد؛ عدسة في يمينها تطالع فيهايرقات الفراش والحشرات الصغيرات، والبراعم وأوراق النباتات.
 
 لكأنهاألون قوس القزح تتشكل تحت العدسة، أو فوق سطح الماء؛ أو تطارد الجنادب بسيقانهاالطويلة الرشيقة حافية القدمين، وتتبع أسراب النحل النشيطة وإذا ما أعياها الركضوالدوران؛ ارتاحت تحت شجرة جوز وارفة الظلال تستنشق أنفاس النبات، وتنصت بسمعهاوقلبها لأنغام النسيم في البراري والحقول.
 
مضت ذات حين إلىمنزل صديق لها في الجوار، يومها رأيا قمريا رصاصيا وقمرية برتقالية اللون، يغردانمعا ويتبادلان أدوار الغرام. وتضع الأنثى بعدها بيضتين رائعتين احتضنتهما بلهفةشوق الأمهات، وها هو يحل الموعد المنتظر لتفقيس البيضتين وخروج الفرخين إلىالحياة، فامتلأت نفسها باللهفة والشغف وأسرعت للتعرف كيف يكون حال المخلوقينالجديدين..؟ ما شكلهما والزغب الأبيض لا يستر جلدهما بعد، وتأملت حجم منقاريهماولونهما الزهري يميل إلى أحمر الشفاه.
 
 وفيماكانت ترى رب الدار خارجا إلى عمله؛ تقدم نحوها ابنه زميلها على مقاعد الدراسة،وتصوَّرَتْه يترقب بشغف إشراقة الفجر في عيون الفرخين الجديدين. تقدم منها وخاطبهابقوله: أتعرفين كيف هو شكل الضيف الجديد واسمه ما يكون؟ فهزت رأسها بالنفي وقدتكلفت العبوس قليلا، وهي تنصرف عن الحديث معه إلى التفكير، من هو وكيف يكون الضيفالجديد..؟
 
بعد برهة منالصمت الثقيل والتحديق في عينيه الفضوليتين. تقدم منها مربكا وعيناه تراوغان كعيونثعلب مكار، وتذوبان خلف الربوة عند شمس الأصيل. قال لها: في الحظيرة الخلفيةديك مدهش الشكل زاهي اللون منفوش الريش، لم أرَ في يوم من الأيام مثل عينيهاللامعتين. عُرْفُهُ العالي كأنه تاج من الياقوت، وله ذيل عجيب لا يقل عن جمالوأناقة الطاووس. يمشي مختالا بين دجاجات الحظيرة. يأمر وينهي فيطاع بلا شكوى ولااعتراض، فتعالي بنا نشاهد معا هذا الديك المتعالي بريشه المنفوش.
 
ومضت برفقته إلىالحظيرة، بلا  شك في نواياه أو سوء تفكير. لم يكد يبلغ الباب حتى أشار لهابيده إلى ركن قصي في الحظيرة وقال لها: انظري إليه إنه هناك..؟ وعندما أدارت وجههاحيثما أشار لترى الديك..؟ هوى على ثغرها يقبلها، فدفعته عنها وارتد قليلا إلىالوراء، ثم تسمر في مكانه صامتا مصدوما لا يدري ماذا يفعل أو يقول..؟
 
 لم يكن فيالحظيرة أي ديك أو دجاج..! فابتسمت له بمكر وأشارت له بطرف عينها أن يدنو منهاقليلا.. فأشرقت أساريره واطمأن إلى رضاها والقبول، واتسعت شفتاه ببسمة ماكرة ودنامنها، حينما عاجلته بصفعة على خده وقالت له: أرأيت بعينك كيف يكون حال الفرخةوالديك..!؟ وحينما ولّى هاربا وقفت نادمة في باب الظيرة، وتمنت في أعماقها لو يعودإليها.. ويكرر محاولته من جديد.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى