خالد ديريك على جثة الوعد اندثر! / بقلم: عصمت شاهين دوسكي

سبتمبر 22, 2018
عدد المشاهدات 751
عدد التعليقات 0
خالد ديريك على جثة الوعد اندثر! / بقلم: عصمت شاهين دوسكي
في عوالمالشعر تستنهض المشاعر والأفكار والهواجس والرؤى مع تجليات الواقع حيث يكون التجسيدعلى آفاق بعيدة وقريبة في نفس الوقت رغم تكوين المباشرة واللا مباشرة التي تتجلى بينحين وآخر في الصور الشعرية.
الشاعرخالد ديريك من الشباب الواعدين الذين يحركون الراكد ويثيرون الساكن ويدخلون في ثوراتفكرية شبابية، خاصة في لقاءاته وحواراته مع الأدباء والفنانين بمعاني إنسانية ومضامينتحيل الواقع إلى كارثة أو إلى أمل مشرق والأحداث إلى طوفان يغرق المعنى واللا معنىوإعصار قوي يقلع البسيط والعميق ليجعل من الحوارات طاقة إيجابية ينطلق من خلالها إلىعوالم غريبة بعيدة عميقة قيمة.
في قصيدته” على جثة الوعد اندثر” يعكس حالة الضوء والعتمة، العتمة التي تضمحل الرؤية وتتعثربأشياء لا تكن في الحسبان فلا موعد ولا ميعاد ولا خلاص ولا إخلاص للزهر للأفق الجميل،والفراق عن أنوار الأمل ومداها وأطياف الحياة وألوانها مأساة تكور نفسها على واقع الفكروالجسد، ومهما حاولنا أن نطوي مسافات العتمة تبقى جهالة العتمة مدوية كونها غرست فيأرض الفكر مما يؤدي إلى انفجار الآهات والحسرات وتجلي العادات والتقاليد البالية.
((منذُأَنْ حَجَبَ الضَّوْءُ
عَنِّيزَهْرَةَ المِيعَادِ…
أُعانِيالفِراقَ،
أُجاهِدُلِطَيِّ المسَافاتِ
وَإِنْهاءِالحَسراتِ
وَهَدْمِالعَاداتِ…)).
تمضيالمحاولات بعد محاولات بشوق يمتطي حوافر الأثر لكي يلحق ما نأى لكن يتراءى كالسراب،والخيال يطوي الخيال المبحر بين واقع مر وإحساس أمر كالعلقم فغربة الديار تترك صور مؤلمة وحزناً مدهماً والابتعادعن الديار لا يوصف بكلمات لأنها أعمق من أن تكون مجرد ديار مكونة من أحجار وطين وماء،أكبر من أن تكون غربة فقط فهي تندمج بين أمل العودة واللا عودة، الانتظار واللا انتظار،وأمل المكان المغترب يحيا في النفس صور إنسانية وذكريات الديار تأبى الرحيل عن هاجسالفكر والروح، ومهما كانت علو الأسوار فلا بد من العودة وإن تظهر عودة خيالية أو فكريةأو تأملية أو هاجسية.
((وأَمْتَطِيصَهْوَةَ الشَّوْقِ
أَقْطَعُالأَمْيالَ…
أُلاحِقُالخَيالَ…
لِأُقَبِّلَخُدُودَ الدِّيارِ
رَغْمَعُلُوِّ الأَسْوارِ)).
يمتدخيال الشاعر خالد ديريك بعد عوالم العتمة ومأساة الانتظار والعودة إلى الديار إلى ذاتطائري يحوم على فضاء بيدر يحاول أن يلتقط حبة قمح التي تجسد الغير الوفير في أرض مأساويةفي الإدارة والعدل والتربية السليمة والمساواة بين جميع أطياف وفئات المجتمع، ركودوعتمة وفساد وجهل وانكسار وانهيار خاصة حينما تكون الديار محاصرة بيد الظالمين الطامعينوالتابعين والفاسدين والجاهلين فلغة القنص ترمي إلى قتل كل ما هو جميل في الحياة، قتلالإنسان والجمال والفكر والتطور والإبداع، والقتل ليس حلاً في أرض الإنسانية، ورغمالمحاولات تمتد الخيبة حينما يستحيل كسر الطوق والحصار خيالاً ، حلماً.
((أَرَانِيطَائِرًا …
لَا يُفَارقُالبَيْدرَ
لِأَلْتَقِطَحَبَّة القَمْحِ
رَغْمَمَخاطِرِ القَنْصِ
فَأَخِيبُظَناًّ
دُونَكَسْرِ حِصَارِ،)).
يدعمالشاعر خالد ديريك نصه الشعري تشبيهات ورموز وهي تعتبر طاقة فكرية جمالية متناغمة معالواقع والطبيعة فالموج الهائج والصخور واصطدامهما اصطدام فعل (الثابت والمتحرك) وقديكون المتحرك صور إنسانية عاطفية حسية فكرية والثابت المكان الديار الوطن حيث يلم متاعهويعود إلى منفاه دون فعل متغير جديد على أرض الواقع.
((مِثْلذَاك المَوْج الهَائِجِ
الذِّييَصْطَدِمُ بِالصُّخُورِ
وَيَلْطِمُالطَّحالِبَ
وَيَعُودُإِلى مَنْفَاهُ دُونَ
أَنْيَشُقَ بَرْزَخاً،)).
صدمةالواقع المأساوي، صدمة الغربة في بلاد الغربة بلا حدود، صدمة اللا عودة، صدمة الكارثةالإنسانية من قتل البشر وخراب الديار ودمار الفكر، ونزوح وتشريد وتهجير، نفير نفسيللبحث عن أمل جديد وابتسامة تأملية حيث يبقى وجه الجلنار راقياً منوراً كالقمر المنيرفي ظلمة الليل رغم كل المآسي.
((وفَجْأةً…
أَخْرُجُمِنْ حِزامِ الصَّدْمَةِ
عَاشِقاً…تَائِهاً….أَبْحثُ…
عَنْعَبَقِ الابْتِسَامَةِ
فِي وَجْهِالجلْنَارِ،)).
وفي صمتالروح يكون المنادي هاجساً، صوتاً والملتقى البعيد والقريب شحروراً يتناغم مع صورةجوهر النص الشعري والجمال الشحروري والحرف الروحي الممزق بين الوجود واللا وجود والمكانواللا مكان بين الوطن واللا وطن يبحر عاشقاً إلى شواطئ آمنة ليعلن من هناك على جثةالوعد المنتظر، وعد اللقاء والمحبة والجمال ولم الشمل، وعد عودة الوطن والديار والمكانوالذكريات، لكنه يترنح كتائه في صحراء جرداء كالسكير بلا خمر ويندثر على حافات حضارةإنسانية راقية دمرها الهمج والجهل والطمع والفساد الفكري.
((أَسْتَمِعُإِلى بَقَايا صَوْتِ
شُحْرورٍ…
فَأُلمَلمُأَشْرِعَةَ
قَصَائِديالممَزَّقَةِ
التِّيتُبْحِرُ
لِلْوُصُولِإِلى
شَواطِئِيَدَيْكِ
وَأقِفُعَلى جُثَّة الوَعْدِ
أَتَرَنَّحُثُم أنْدَثِرُ
مِثْلَحَضَارَةٍ غَزَتْهَا
حَوَافِرُالهَمَجِ.))
اعتلىالشاعر خالد ديريك في نصه صهوة جواد المأساة الإنسانية والمكانية ليثير وراءه غبارالعتمة والمعاناة وصور العودة والذكريات التي تتراءى في خيال الغربة وتندثر كالسراب،ورغم هذه الصور المعتمة يبقى الأمل في مضامين النص والمعالجة والحلول رائية ويبقى تنفيذهاعلى الأرض وعداً قد يكون قريباً ولا يندثر.
قصيدةللشاعر خالد ديريك من ديوان مشترك ” صهيل من فلوات الأرواح” مع د. كريمة نور عيساوي.
نص القصيدة لخالد ديريك …
عَلَى جُثَّةِ الوَعْدِ انْدَثِرُ
مُنْذُ أَنْ حَجَبَ الضَّوْءُ
عَنِّي زَهْرَةَ المِيعَادِ…
أُعانِي الفِراقَ،
أُجاهِدُ لِطَيِّ المسَافاتِ
وَإِنْهاءِ الحَسراتِ
وَهَدْمِ العَاداتِ…
أَمْتَطِي صَهْوَةَ الشَّوْقِ
أَقْطَعُ الأَمْيالَ…
أُلاحِقُ الخَيالَ…
لِأُقَبِّلَ خُدُودَ الدِّيارِ
رَغْمَ عُلُوِّ الأَسْوارِ
أَرَانِي طَائِرًا …
لَا يُفَارقُ البَيْدرَ
لِأَلْتَقِطَ حَبَّة القَمْحِ
رَغْمَ مَخاطِرِ القَنْصِ
فَأَخِيبُ ظَناًّ
دُونَ كَسْرِ حِصَارِ،
مِثْل ذَاك المَوْج الهَائِجِ
الذِّي يَصْطَدِمُ بِالصُّخُورِ
وَيَلْطِمُ الطَّحالِبَ
وَيَعُودُ إِلى مَنْفَاهُ دُونَ
أَنْ يَشُقَ بَرْزَخاً،
وَفَجْأةً…
أَخْرُجُ مِنْ حِزامِ الصَّدْمَةِ
عَاشِقاً…
تَائِهاً….
أَبْحثُ…
عَنْ عَبَقِ الابْتِسَامَةِ
فِي وَجْهِ الجلْنَارِ،
أَسْتَمِعُ إِلى بَقَايا صَوْتِ
شُحْرورٍ…
فَأُلمَلمُ أَشْرِعَةَ
قَصَائِدي الممَزَّقَةِ
التِّي تُبْحِرُ
لِلْوُصُولِ إِلى
شَواطِئِ يَدَيْكِ
وَأقِفُ عَلى جُثَّة الوَعْدِ
أَتَرَنَّحُ ثُم أنْدَثِرُ
مِثْلَ
حَضَارَةٍ غَزَتْهَا
حَوَافِرُ الهَمَجِ.



