دراسة نقدية في قصة (انتحار) للكاتب المصري صابر حجازي بقلم :سالم الحميد

ديسمبر 01, 2017
عدد المشاهدات 2104
عدد التعليقات 0
دراسة نقدية في قصة(انتحار) للكاتب المصري صابر حجازي بقلم :سالم الحميد
…………………………………..
في هذا النص الموسوم ب(انتحار ) حاول الكاتب الاستاذ الاديب المصري صابر حجازي ربط الظواهر المجتمعيةوتدني المستوى الاقتصادي بسيكولوجية الفرد وسلوكياته .. لذا يمكن تصنيف النص ضمن
ادب ( القصة السيكولوجية )..ويمكن اعتباره ادبا واقعيا .. فهو مرآة للواقع الاجتماعي قد طرح دون رتوش اوتزويق ..
لقد عرف العالم القصةالنفسية في بدايات القرن العشرين ، القصة التي تسمى في الأدب الانكليزي بالقصةالانسيابية او قصة تيار الوعي
و اطلق على هذا النوع منالادب في فرنسا بالقصة التحليلية حيث انها تنقل الاجواء الذهنية والاضطراباتالنفسية إلى القارئ دون الحاجة إلى الوصف الظاهري..
وبمعنى اخر نقل ما هوظاهري الى ما هو الباطني ( حيث يكون التبئير داخليا) .
و من رواد القصة النفسيةمارسيل بروست ، ودوروثي ريتشاردسون والكاتب الايرلندي جيمس جويس ..
،
– النص
…………..
انتـــحار
ان القتل هو اسهل وسيلة لحل كافة المشكلات ، فهونهاية وتصفية لكل الحسابات والمعادلات المعلقة ، لانة قاطع ونهائي .
بحثت في كل زوايا الغرفة عن ( سكين ) ، دون جدوى ،انة امر محير ، وشئ جديربان يكون مفاجاة ، كل هذة السنوات وانا لا املك ( سكين )نهائيا..! , وكيف لم افكر في ذلك من قبل ؟، ليس مهم ، اذن لا داعي لتلك الطريقة.
هذا هو ( وابور الجاز )وسكب ما فية من كيروسين يكفيلتحويل هذا الجسد الي شئ متفحم تماما ، ثم انة يلتهم كل ما حولة ايضا ، فلا يبقياثر لشئ ، ..نعم هكذا..افرغ كل الكيروسين علي جسدى في هدوء ، ولكن رائحتة نفاذة ،ليس مهم ، لابد من اغراق الراس ، والاكتاف ، وكل الملابس بالكامل ، اذن كلة تمام .
-تمام ياافندم
ضحكت من نفسي فانة الببغاء الذى بداخلي ، فما انيسمع (كلة تمام ) ، ..فينطلق ..( تمام يا افندم )..ثم تحولت الي ( تمام سيادتك ) و(تمام يابية ) و (تمام ياباشا ) اين الكبريت..يالي من مهمل ، نعم مهمل تماما ، اينوضعت الكبريت ، ها..هو..ياخبر انه عود واحد..،ليس مهم ، فهو سيؤدى المطلوب ، أرجوكإشتعل .. أرجوك إشتعل، يانهار انه يرفض .. بل ان رأسه طارت فى الهواء ، ماذا أفعل.. ؟ .
-حتى الموت يرفضنى
لاأدرى اين سمعت تلك العبارة ، المهم ..لابد من حلسريع فأن رائحة الكيروسين هذه لا تحتمل ، يا لى من غبى ، هذا الحبل فى يدى طوالالوقت ، لماذا لم أفكر فى ذلك ، هذا كل ما أريده ، هكذا فى السقف بين ألواح الخشب، فى المنتصف تمامأ ، إن الظروف تساعدنى ، وهكذا هو الكرسى المتهالك .. وتلك هىدائرة على مقاس رقبتى، كله تمام ..
-تمام يا أفندم
ضحكت ، أجمل شئ ان تضحك فى تلك المواقف ، لحظاتوينتهى كل شئ .
إرتطام وأصوات إنهيار .. وجلبة شديدة – يا خبر- ..لقد إنهار السقف بعدما قذفت الكرسى من أسفل أقدامى ، إن صاحب الغرفة سوف يجن ، ألايكفى اننى لم ادفع الايجار له منذ ثلاثة شهور حتى اهدم له سقف الغرفة .
لابد من الهروب من هنا الى الشارع ،على الاقل سوفاتغلب على رائحة الكيروسين هذه ، يالها من فكرة.. إذاً الى البحر ، نعم ، وفيه سوفينتهى كل شئ ..
أضواء تلك السيارة قوية جداً ..
-انت ..انت..يا فندى
-نعم..انا
-نعم انت.. الى اين تذهب فى هذه الساعة المتأخرة من الليل
-ابداً.. انا انا
-هل معك (بطاقة)
-(بطاقة) أصل انا
-إذن اركب ..اركب
-يا (خليل) ..ماذا يحدث عندك
-لا..يا فندم.. هذا واحد إشتباه
-طيب.. دعه يركب (البوكس)
-حدث يا أفندم
-اذا، هيا بنا ، ويكفى ذلك اليوم، هيا تحرك لنعد الى القسم
-حاضر يا فندم ، كله تمام سيادتك
وجدت نفسى من داخل (البوكس) اصرخ :-
-تمام يا فندم
——————————————————-
تنويه: بعض العبارات وردت باللهجة الدارجة المصرية… شكرا لتفهم الجميع..
————————————
: الدراسة
…………………
انتـــحار
العنوان ( عتبة النصالأولى )
لقد جاء العنوان فاضحلمحتوى النص حيث انه في حالة توافق مع مضمونه ..و بذا ادخل النص بالمباشرةالمقصودة .. دون أن يعطي للقارئ فرصة التأويل أو محاولة إيجاد روابط مع المضمون ..
و الانتحار في قاموسالمعاني قيام الإنسان بقتل نفسه بوعي أو بدون وعي ، أو هو الفعل المقصود لقتلالنفس أو زهق الرُّوح عن سابق تصميم ،وهو في الموسوعة الحرة (قتل النفس بشكل متعمد )
يقدم الشخص على الانتحارعادة بسبب تفاقم الضغوط الخارجية والصراعات النفسية الباطنية التي تقود الانسانإلى حالة من اليأس والنكوص والشعور بالاضطراب والخوف ، و تلعب حالات العوز الماديوالاقتصادي واحدة من الأسباب التي تقود الإنسان إلى جريمة الانتحار .. غير ان اغلبحالات الانتحار هي بسبب الاضطرابات النفسية الناتجة من القلق والوسواس القسريوالفصام بالشخصية ، والهوس الاكتئابي
وحسب احصائيات منظمة الصحةالعالمية (إن الدول ذات الدخل المنخفض وذات الدخل المتوسط فيها نسبة انتحار اعلىمن الدول ذات الدخل العالي ..)
في نص انتحار تبدو شخصيةالبطل متناقضة ظاهريا مع ما يلتزم به المجتمع من تقاليد واعراف لكنه في الوقت ذاتهإفراز لطبيعة المجتمع ،لذا فان النص يمكن تناوله بالتحليل السيكولوجي من جانب ..او محاولة تحليله كظاهرة اجتماعية سلبية من جانب آخر
.. ولكني سأتناول النص من خلالالربط ما بين الحالة الاجتماعية والظواهر السلوكية الفردية .. فالسلوك الفردي يؤثرعلى طبيعة المجتمع ، ويؤثر المجتمع بشكل اكبر على سلوكية الفرد..
استهلال النص
(( ان القتل هو اسهل وسيلة لحلكافة المشكلات ، فهو نهاية وتصفية لكل الحسابات والمعادلات المعلقة ، لأنه قاطعونهائي .))
والاستهلال هي المساراتالتي يختارها الكاتب للبدء بكتابة أي نص والتي تنطلق من نقطة السكون الكامنة فيمخيلته ولحظة الشروع بالكتابة وقد تحدث تغيرات في كتابة الاستهلال بما ويتفقوقناعة القاص في تحديد بداياته السردية ، ويعتبر الاستهلال العتبة الثانية التييجب أن تكون قادرة على خلق حالة من التشويق والإثارة لجذب القارئ
يبدا النص بفاتحة تقريريةيخبرنا فيها البطل عن الفوائد التي يمكن أن نجنيها من الانتحار ، رغم أنه جاءبمفردة ( القتل ) أما استدراكا من الكاتب بوضع نوع من الغموض على البداية حتى لايقع بالمباشرة أو إن المقصود هو قتل النفس..
وهو خطاب داخلي موجه لذاتالسارد وليس للقارئ فهذه هي قناعته وهو مؤمن بان هذا هو الحل الحقيقي للتخلص منمصاعبه ،
الفرد في حالة استقرارهالنفسي وفي حالة ان يكون قادرا على مواجهة الشدائد والتصدي لها غير مؤمن بمثل هذهالنهايات المأساوية فهو يرى في الموت حالة جرمية من الناحية القانونية وهي محرمةفي معظم الاديان .. و الانسان الطبيعي بطبيعته متشبث بالحياة و يميل إلى البحث عناسباب بقاءه واطالة عمره لا اماتة نفسه..
في نص انتحار هيء الكاتبارضية مناسبة لشد القارئ من خلال الحوار الداخلي..
والذي جاء إلينا بلغةالأنا ( المنولوج ) وهو اسلوب يستطيع من خلاله الكاتب جعل القارئ عارفا بحالةالبطل ودوافعه النفسية (حالة التشظي المصحابة للشخصية والصراعات التي يعيشها منالداخل ) .
وهي لغة صعبة لا يمكن أنيفلت القاص من شراكها وفخاخها . خصوصا عند التعامل بموضوعية مع البطل والتعاطي معهكشخصية تمر في حالة صراع واصطدام مع المحيط الخارجي الذي يحيط به ..
السرد من خلال( الحوار معالذات ) اسلوب يعطي القاص مساحة اكبر للتعريف بسيكولوجية ابطاله . وهو اسلوب يجعلالبناء القصص اكثر تماسكا .. و يعطي القارئ إمكانية التفاعل معه بشكل اكبر نتيجةالجذب الحاصل ..
في النص تمر الأحداث بشكلمتسارع انتقالات سريعة تسير تبعا لتطور الصراعات الداخلية لشخصية البطل ( فهناكاختيار صعب ) أي شكل من اشكال الموت يختار ( حرق نفسه بالجاز ، قتل نفسه بالسكين ،شنق نفسه بالحبل ، او إغراقها في البحر .. وكلها اختيارات صعبة ، و لكن الموت لميتحقق كوسيلة للخلاص دائما تقف الصدفة حائلا دون تحقيق مبتغاه ..
شخصية البطل
رغم ان القاص لم يعطنا أيمعلومات عن حياة بطله لكن الدلالات الايحائية الذكية كشفت لنا جوانب كثيرة منشخصيته .. ومن هذه الجوانب
1. لم تكن هناك شخصية اخرىتشارك البطل همومه فهو وحيدا في بيت خاو بلا زوجة ولا عائلة يمكنها أن تحمل بعضهمومه اوهي الرابط الذي يربطه بالحياة .. فحياته مهمشة ، وبصيص الامل لديه منقطع..
2. انه رجل كان يعمل ( شرطي ،او عسكري ) ربما قضى عمرا طويلا في سلك الشرطة ، فمن غير المعقول أن يسلمنا الكاتبإلى انتقالات زمانية ولو جاءت على شكل إيحائي دون قصدية أي بشكل اعتباطي ،
لذا فان البطل يمكن أنيكون قد عاصر التطورات والتغيرات التي شهدتها المؤسسة الامنية في مصر ، فكل فترةزمنية او تحول سياسي تتغير طريقة الاجابة في الاعراف والنظم العسكرية علىالاستفسار الصادر من الضابط أو الشخص المسؤول مقرونة بكلمة تمام .. ( كله تمام ) .
((ضحكت من نفسي فانة الببغاءالذى بداخلي ، فما ان يسمع (كلة تمام ) ، ..فينطلق ..( تمام يا افندم )..ثم تحولتالي ( تمام سيادتك ) و (تمام يابية ) و (تمام يا باشا ) ))
وهنا يوضح لنا أنه كانمخلصا في عمله ومتعلقا به و من النوع الذي يؤدي واجبه على اكمل وجه .
3. أنه شخص غريب الاطوار ..فهولا يحتاج السكين ( ضمن احتياجاته اليومية ) في تقطيع الفواكه او اللحوم ، فهوتلميح ذكي إلى أنه أما كان يعتمد على المساعدات التي تأتي إليه من الجيران في اكلطعامه أو انه يعتمد الطعام الجاهز الرخيص الثمن .او ربما كان يلتقط طعامه منالقمامة .للدلالة على فقره المدقع ..
((بحثت في كل زوايا الغرفة عن( سكين ) ، دون جدوى ، أنه امر محير ، وشيء جدير بان يكون مفاجأة ، كل هذه السنواتوانا لا املك ( سكين ) نهائيا..! ))
4. الشرطي الذي ابلغ عنه بانهشخص مشتبه به هو البطل ذاته فقد كان فيما مضى يبحث عن اولئك الضالين من الفقراءوالمساكين الضالين طريق الاستقرار ، ليودعهم في المعتقل .. (بتهمة الاشتباه)
لم يقل الكاتب ذلك مباشرةلكنه أعطى القارئ القدرة على الاستنباط .. والتكهن عما كان عليه بطله
فهو يعيش حالة نكوص وحنيننحو الماضي ، فتمام يا فندي تستحضر حالة الرضا في داخله وهي حالة شعور بالاكتفاءوالاستقرار المادي التي كان يعيشها قبل ، فتلك الاستدعاءات الباطنية .. تجدهاحاضرة كلما سمع (كلمة كله تمام ) ..
اسباب الانتحار حسب رؤياالكاتب
ان السبب الرئيسي لمحاولةالانتحار هو الحالة الاقتصادية والفقر المدقع الذي يعيشه البطل ، فرغم انه كانيسكن في ( عشه ) قد لا تصلح لإيواء البشر الا إنه كان غير قادرا على دفع الإيجارحتى وإن كان زهيدا ..وكنوع من الكوميديا السوداء ، فالبطل الساعي إلى قتل نفسهتجده يخاف من سطوة صاحب الغرفة التي يعيش فيها .. فيهرب من الدار ، ما أن تهدمالسقف في محاولته الفاشلة بشنق نفسه بالحبل فهو لا يحتمل أن ان يضاف عبئا علىاعبائه الكثيرة التي ينوا بها ، إن مثل هذه التراجيديا قد تتكرر في كل مكان منارجاء وطننا العربي الذي يطفو على بحر من الخيرات لكن الانسان فيه مهمش ، فكلأدواء المجتمع هو مبتلى بها تلك ( الأمراض العضال ) التي لم تفارقنا ( الفقر ،والمرض ، والجهل ) .
إن الكاتب ارتقى سلمالابداع و التمييز من خلال اسلوبه الواقعي السلس ، ومن خلال افراده لحالة اجتماعيةإنسانية اصبحت من الظواهر السلبية التي تؤثر على المجتمعات وتعد من اسباب تدنيمستواها الاقتصادي ، وهي صرخة مؤلمة بوجه الحكومات التي ما عادت تهتم بالفقير ،ولعل قمة الابداع تكمن في تلك العبارات التي جاءت تحمل في داخلها تهكم قاس ..
(ألا يكفى انني لم ادفعالايجار له منذ ثلاثة شهور حتى اهدم له سقف الغرفة .)
ترك الكاتب النهاية مفتوحةلم يعطنا مفاتيح للحل .. يا ترى هل سيستمر البطل في محاولات الانتحار ؟ ، أم إن إيداعهالسجن هو الحل الأمثل لهؤلاء المعدمين .؟.
اعتقد إن قراءة نص مثل هذارغم سلاسته ظاهريا ، إلا إنه يتطلب قراءة معمقة و يتطلب وعي وادراك متميز من قبلالقارئ .. فهو يحمل اكثر من دلالة ، وإن عمقه يكمن في قدرته على إيصال افكارالكاتب دون تعقيد او تصنع فالمغيب هو صوت الادانة المراد الإعلان عنه ..
………………………
سالم الحميد قاص وناقدعراقي



