ادب وثقافة

الألم بوصفه مرتبة عليا في الرّؤية الشّعريّة..قراءة في قصيدة للشّاعر التّونسي يوسف الهمّامي

يوليو 03, 2018
عدد المشاهدات 766
عدد التعليقات 0
الألم بوصفه مرتبة عليا في الرّؤية الشّعريّة
 

مادونا عسكر/ لبنان
 
– النّصّ:

الغيمة الغامضة تسند
عبقها إلى صحراء غصن كسير
..
الأرض تتثاءب
بين ذراعين ووشم
..
بكاء الرّحيق يتعالى
في النّاي عبر الثقوب
..
الأخضر الغافي يخافت في الصّدر
الأسود العتيّ يغامر على اعتلائه

– القراءة:

يمكث الشّاعر بين الأرض والسّماء. يهتمّ لما فوق ويحمل أثقال الأرض. لكنّه بلغمقاماً رفيعاً من الألم. فالاهتمام بالعلو كشف تفاصيل العمق.
الغيمة الغامضة/ رؤى الشّاعر الّتي تبلسم الضّعف الإنسانيّ وتداويجرحه. إلّا أنّ الشّاعر يتألّم بصمت الشّعراء القدّيسين حاملاً حزن الكون في قلبهوبهجة العلا في آن. ليس الغموض هنا دليل التباس وإنّما دليل إعجاز الغيمة، وهيالحاملة الحياة تواجه الموت.
الغيمة الغامضة أو رؤى الشّاعر غطّت العالم. وهي أشبه بخيمة نُصبت منأجله ليتطلّع على هذا العالم من عمق شعره ويداوي بنور الشّعر آلام الإنسانيّة.(الغيمة الغامضة تسند // عبقها إلى صحراء غصن كسير). الغيمة المهيّأة للفيضتقابلها صحراء غصن كسير. وإن دلّ الغصن على أمر فهو يدل على ضعف ووهن وألم وظمأوربّما فراغ أشبه بالموت أشارت إليه (الصّحراء). ولئن كانت الغيمة  قد سندت عبقها إلى الظّمأ والألم والفراغ المحزنتبيّنت عين الشّاعر الحاضنة لهذا الألم/ الموت. لكنّ العين لا تملك ذراعين يحتضنانبل هي تحتوي بما ستفيض به من ماء. ولو تعمّق القارئ في المعنى المحتجب في قلبالشّاعر لوجده متألّماً حدّ فيض الدّمع المحتوي لا المشفق وحسب. ما يعني أنّالشّاعر يحتوي الكون بالقوّة بالدّمع ويحتويه بالقوّة بعالمه الشّعريّ الرؤيويّ.
لكنّ الأرض مسلوبة الإرادة غير مبالية ولا تستجيب لهذا الاحتواء(الأرض تتثاءب// بين ذراعين ووشم). وما تكاسلها إلّا دلالة على الألم المكثّفالّذي سلب إرادتها فخارت قواها وباتت غير قادرة على المقاومة. والشّاعر المقيم فيرؤاه مجروح في محبّته لهذا الكون، متألم في عمق إنسانيّته. إنّه ألم الوعي وألمالحبّ.
الوعي الممزوج بألم المعرفة والحبّ الفيض الّذي يغرق فيه الشّاعرويهفو إلى إغراق الأرض به. وامتداداً للألم المعبّر عنه في السّطور السّابقة،يتوسّع الشّاعر في وصف حاله وما يسبغه عليه الألم فيدخل في محاكاة تثاقفيّةتفاعليّة مع جلال الدّين الرّومي وقصيدته (النّاي الحزين) وما كان فيه من حزن:

“أنصت إلى النّاي يحكي حكايته
ومن ألم الفراق يبث شكايته:
مذ قطعت من الغاب، والرّجال والنّساء لأنيني يبكون
أريد صدراً مِزَقاً مِزَقاً برَّحه الفراق
لأبوح له بألم الاشتياق..
فكلّ من قطع عن أصله
دائماً يحن إلى زمان وصله..
وهكذا غدوت مطرباً في المحافل
أشدو للسّعداء، وأنوح للبائسين ​
وكلٌّ يظنّ أنّني له رفيق…”

ويتماهى حزن ناي الرّومي مع حزن ناي الشّاعر، إلّا أنّ حزن الهمامي يشدو بكاءورحيقاً، ما لم يطله الرّومي في قصيدته. فرحيق البكاء ممزوج ببهجة السّماء وألمالأرض و(الأخضر الغافي يخافت في الصّدر). الأخضر/ الحياة العائد إلى الشّاعرالمتغلغل في ذاته يثق بالغيمة المسندة عبقها إلى صحراء الغصن الكسير حتّى وإن غامرالموت في تحدّي الحياة.
 
الأخضر الغافي يخافت في الصّدر
الأسود العتيّ يغامر على اعتلائه.
 
إنّ الدّخول إلى عمق الأشياء صعب، ولكنّ الأصعب منه ملامسة كنهالحقيقة والأشدّ صعوبة هو الإقامة هناك بوعي رؤيويّ يطلّ على العالم من خلال هذهالنّافذة المفتوحة والمتّقدة من الرّؤى، هذا ما يعمل الهمّامي عليه دوماً في نصوصهالّتي تنحو نحو الباطن الإنسانيّ الغنيّ بالأفكار والمتشبّع بالبصيرة.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد ايضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى