مقالات

الأولويات الملحّة أمام الرئاسة والحكومة ..



ثمة ثلاث قضايا جوهرية باتت تُشكّل رأس حربة الأزمة في المحافظات المحررة ، وهي قضايا لم تعد تحتمل منطق الانتظار أو التأجيل الإداري، بل تستوجب تدخلًا عاجلًا وصارمًا من مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والبنك المركزي على حد سواء .

أولًا : معضلة شُح السيولة النقدية وآليات احتوائها العاجلة
لم يعد الأمر مقتصرًا على توصيف “شُح” السيولة، بل تحول إلى “شللٍ” في الدورة الاقتصادية للدولة والمواطن .
فالانكماش الحاد في الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي تسبّب في تأخير صرف مرتبات موظفي الجهاز الإداري للدولة، ناهيك عن منتسبي الجيش والأمن، الذين دخل أغلبيتهم الشهر الثالث دون دخل يُعيل أسرهم، مما يُنذر بكارثة إنسانية وأمنية وشيكة .
إن معالجة هذا الملف الشائك تتطلب إجراءاتٍ جريئة غير تقليدية من البنك المركزي والحكومة، أبرزها :
المواجهة الصارمة للمضاربة غير المشروعة ، فهناك حالة استثنائية من التربح عبر إخفاء العملة الوطنية وابتلاع تريليونات الريالات من قِبل شبكات صرافة ومصارف تستثمر الفوضى النقدية .
لم يعد مقبولًا التعامل مع هذه الممارسات بأدوات رقابية روتينية؛ بل المطلوب قرارات سيادية جريئة تشمل تفعيل نظام “الرقابة الرقمية الفورية” على حركة النقد عبر شركات الصرافة، واعتماد “سياسة التصفير المؤقت” للحسابات التي يثبت تعطيلها عمدًا للسيولة العامة .

آلية مبتكرة للإنفاق التنموي ، فبدلًا من اللجوء لطباعة العملة، يمكن للحكومة تفعيل “أذونات الخزانة الإلكترونية” الموجهة خصيصًا لتمويل المشاريع الخدمية الصغيرة والمتوسطة كثيفة العمالة، مما يُنشّط الطلب المحلي ويُخرج جزءًا من السيولة المخزنة في القطاع غير الرسمي .

ثانيًا : حتمية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية غير النظامية ، فبقاء كيانات مسلحة متعددة الولاءات خارج نطاق مؤسستي الدفاع والداخلية لم يعد مجرد “خطر” على السلم الاجتماعي، بل هو “تشريع واقعي لتقويض فاعلية الدولة” .
إن ازدواجية القرار والسيطرة تُفقد المؤسستين العسكرية والأمنية هيبتهما، وتجعل من فكرة “الدولة الواحدة” أمنية بعيدة المنال .
الحل لا يكمن فقط في “الدمج” الورقي أو الشكلي، بل في استراتيجية وطنية للدمج المستدام تشمل :
توحيد الجدول المالي والإداري ، فمع علمنا بوجود اللجان الميدانية ، وما حققته خلال الأشهر القليلة الماضية من نتائج كشفت عن التضخم البشري المهول في وحدات الجيش وذلك بأعتمادها لبصمة العين ، وما نتج عنها من ازدواج وظيفي غير مسبوق .
ومع كل ما أنجزته تلك اللجان لابد من إنشاء “هيئة تنسيق عسكرية وأمنية مؤقتة” تتبع مباشرة لمجلس القيادة، مهمتها إجراء مسح ميداني دقيق للتشكيلات وأعدادها الحقيقية ، وإخضاعها لقاعدة بيانات بيومترية موحدة تمنع الازدواج الوظيفي والتضخم الوهمي في كشوف المرتبات .
إطلاق حوار وطني عاجل حول مفهوم “الحياد الأمني للخدمات العامة” ، بحيث يكون الجيش والأمن بعيدًا عن أي استقطاب سياسي أو مناطقي أو جهوي أو مذهبي ، ويكون انتماؤه للدستور فقط ، وهذا ما يطلق عليه بمفهوم العقد الاجتماعي الأمني .

ثالثًا : إنقاذ الخدمات الأساسية وحوكمة الموارد العامة
، فتدهور قطاعات الكهرباء والمياه والمشتقات النفطية والغازية يمثل واجهة الفشل الحكومي أمام المواطن . وهذا الملف لا ينفصل عن ملف ضبط الإيرادات، فغياب الخدمة يحرم الدولة من تحصيل الرسوم القانونية ويُنتج “اقتصاداً موازيًا ” قوامه السوق السوداء والطاقة الخاصة .
معالجة مبتكرة للطاقة ، فبدلًا من الحلول الترقيعية، يمكن للحكومة إطلاق “مبادرة شراكة المجتمع في الطاقة” عبر توربينات غازية صغيرة ومتنقلة تُدار بتقاسم الكلفة بين الدولة والمجتمع المحلي تحت إشراف فني من القطاع الخاص ، لضمان عدم توقفها بسبب الفساد أو العجز المالي .
تفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة ، فلن تكون الخدمة منضبطة ما لم تكن الموارد منضبطة. يتوجب الانتقال من مفهوم “الرقابة اللاحقة” إلى “الرقابة المصاحبة الإلكترونية” . أي ربط منافذ الجمارك والضرائب والإيرادات السيادية بنظام دفع إلكتروني مركزي يمنع التسريب اليدوي، ويضمن شفافية التدفقات المالية للبنك المركزي لحظة بلحظة.
الخلاصة ..
هذه الملفات الثلاثة بمثابة حجر الزاوية لإعادة بناء هيبة الدولة واستعادة ثقة المواطن . إن التعامل معها بحلول مُبتكرة وموضوعية بعيدًا عن لغة المزايدات السياسية هو الطريق الوحيد لتجنيب المحافظات المحررة مصير الفوضى والانهيار ..

محمد علي محسن

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى