كتاب عدن

اليوم العالمي لحرية الصحافة



في بلادٍ تتزاحم فيها التحديات كما تتلاحق الأخبار العاجلة، لا تبدو الصحافة مجرد مهنة عابرة، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية ثقيلة، يحملها كل من اختار طريق الكلمة الحرة. فهي ليست مجرد نقلٍ للأحداث، بل سعيٌ دائم لالتقاط الحقيقة من بين ركام التضليل، وصياغتها بما يليق بوعي الناس وحقهم في المعرفة.
في بلادنا، لا يكتب الصحفي بالحبر وحده، بل يكتب أحيانًا بقلقٍ دائم، وخوفٍ مشروع، وإصرارٍ لا ينكسر. فالصحافة هنا ليست وظيفة تقليدية، بل معركة يومية من أجل الحقيقة، في بيئة معقدة تتداخل فيها السياسة بالأمن، وتختلط فيها الوقائع بالروايات المتصارعة. ومع ذلك، يظل الصحفي الحر شاهدًا أمينًا، لا يملك ترف الصمت، ولا يقبل أن يكون مجرد صدى لما يُملى عليه.
الصحافة ليست جريمة، كما يحاول البعض تصويرها، بل حق أصيل وركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى إلى العدالة والشفافية. هي حق للصحفي في أن يكتب وينقل، وحق للمجتمع في أن يعرف ويفهم. وحين يُضيّق على هذا الحق، فإن الخاسر الحقيقي ليس الصحفي وحده، بل المجتمع بأسره.
تحية لكل إعلامي اختار الكلمة طريقًا، ولم يساوم عليها، ولم يفرّط في رسالته رغم الضغوط والمغريات. تحية لكل من آمن أن الحقيقة تستحق أن تُقال، حتى في أصعب الظروف، وأن الكلمة الصادقة قادرة على إحداث الفرق، مهما بدا الواقع معقدًا.
وبصفتي صحفية عملت في عدن، وأتحمل مسؤولية الإعلام والشفافية في مكتب تنسيق الأعمال المتعلقة بالألغام، أؤمن أن مهنتنا تُعد من أخطر المهن، ليس فقط بسبب طبيعة الميدان، بل لما تحمله من مسؤولية في كشف حقائق مؤلمة.
لقد كان العمل في ملف الألغام تجربة إنسانية ومهنية بالغة الحساسية، حيث لا نتعامل مع أرقام جامدة، بل مع قصص إنسانية موجعة، ومع ضحايا تركت فيهم الحرب آثارًا لا تُمحى. ومن هنا، لم يكن هدفنا مجرد التغطية، بل السعي لكشف هذا الجرم، وتسليط الضوء على مخاطره، والدفاع عن حق الضحايا في أن تُسمع أصواتهم.
واجهنا العديد من التحديات أثناء توثيق هذه الجرائم، لكن الإيمان برسالة الصحافة، والرغبة في كشف الحقيقة أمام الرأي العام، كانا دائمًا الدافع للاستمرار. فالحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل واجبًا لا يمكن التنازل عنه.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، نجدد التأكيد على أن هذه المهنة ستظل خط الدفاع الأول عن الحقيقة، وأن الصحفيين، رغم كل الصعوبات، سيواصلون أداء رسالتهم بكل شجاعة.
فالكلمة الحرة لا تُهزم، والحقيقة قد تتأخر… لكنها لا تموت.
الإعلامية / انتصار عبدالجليل
مسؤولة الإعلام والشفافية
مكتب تنسيق الأعمال المتعلقة بالألغام…

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى