ادب وثقافة

نجمة القصر

ديسمبر 21, 2017
عدد المشاهدات 2368
عدد التعليقات 0
نجمة القصر
إيناس ثابت

 
نزعت الشمس ثوبها الذهبيواستلقت عارية في عمق المحيط. ثم لفَّت الأوراق نداها وتوسّد الماء الحصى، وآوتطيور الليل إلى أوكارها تحتضن فراخها وتنام آمنة في أعشاشها، وقد غفت البذور في لبالثمار، واليعاسيب الصغيرة لجأت ترتاح من عناء النهار في مراقدها؛ حيث يجري جدولمياه باردة نعمة يشرب منها عطشى المخلوقات في الأرجاء المجاورة، والنحلات النشيطة تخدرتبقطرات الرحيق وهي تعود إلى خليتها.
 
 وتدثرت الفراشات بالندى في بتلات زهور النرجستقص عليها حكاياتها، وتل مسحور بفعل الطبيعة وأجراس أرض الأماني الذهبية. أما جفناتالكروم فتتحرك فيها بذور العنب كمن تنام في أحشائها الأجنّة؛ والبوم أرقه طولالسهر ونغص نومه في الجوار شخير شجرة بلوط هرمه، فآنسته صراصير الليل تغني أغنياتالحب لمن جفاه النوم وأرقته الليالي الطويلة، وعيون أهلها غطت في سبات هانئ لذيذ،واستيقظت أرواحهم تفتش عن أحلام، ادخرتها منذ زمن طويل داخل بئر عميقة من الأسرار.فماذا لو لامست حقيقة ما يراود فكرها في عتمة الليل البهيم؟
 
تسللت بخفة على أطراف أصابعهاإلى شرفة المنزل، تحمل عصاها السحرية التي خبأتها تحت الفراش بعيدة من حشرية العيونالنهمة؛ العصا التي وهبتها لها جنية تقيم خلف منارة البحر، شعرها حرير من ذهب أصفروعيناها بلون الربيع الأخضر، تعلو بها في الفضاء على جناحين بشفافية النور إلىعالم سحري بديع، يلمعان كأنما نثر عليهما رحيق بطعم لم يذقه مخلوق بعد.  أبوها لا يعتقد بوجود الجان وأمها تتحاشى قصصهموتخشى ذكرهم، أما هي فلا تخشى العفاريت؛ فتمطتي عصاها السحرية في كل ليل وتشق قلبالسحب عابرة بها نحو الفضاء الفسيح.
 
 كانت الأرض تصغر وتصغر كلما ابتعدت عنها، حتىوصلت إلى الفضاء السحيق غايتها الأخيرة، حيث تقطن الجنيات التي تغزوها في المنام. رحببها القمر حارس بوابة السماء، ولاحت على وجهه ابتسامة مشرقة، سرقها من ضوء الشمسفي النهار، والنجوم كانت مشغولة عنها بإعداد أحلام الصبايا والشباب، ترسلها معالجنيات إلى الأرض بعد الانتهاء من توضيبها في علب هدايا لعيون العاشقين، والشياطينكانت تطوف في الأنحاء تحاول سرقة الأحلام من الجنيات، وحينما لا يحالفها حظها تلجأإلى بث الخوف في أفئدة وضلوع البشر، لتصنع منها كوابيس الناس تبعثها إليهم على ظهرمارد جبار يغزوهم بلا رحمة في المنام.
 
رأت نجمة بين ملايين النجمات تنفردبصناعة أحلام وردية من قلوب وشذا الأزهار، سألتها أن تبوح لها بمغامرات الفضاءوحكايات القمر وقصص الكواكب والنجوم. قالت لها النجمة: الفضاء ليس إلاّ وجهالإنسان السماوي، وكل ما ينطبع في الإنسان من روح في الأعالي، تجدينها في النجوموالكواكب والأقمار، وكل مخلوق في الكون له قصة لا يعلمها إلاّ الغيب وكائناتالفضاء. لكنني سأقص عليك حكاية نجمة بإيجاز، ولن أخفي عليك تفاصيل نكهتها لكي تشاركيمتعتها مع فرح العشاق.
 
 كتب في زمن مضى وفي الصحف الأولى من تاريخالنجوم، أن نجمة ولدت من نور الكون الأزلي، ونشأت من سر الحب المقدس مخلوق اللهقبل الوجود، فقدسته وأضاءت له العمر وسبحت في مجراته، وأصغت إلى كل ترنيمة عشقعذبة تردد صداها في الكون السحيق، وتوهجت عندما ارتقت إلينا من لحن ناي حزين. صنعتمنه أحلامها الجميلة وأسلمت روحها المرهفة إلى السكون، والجلبة تتهادى إلى سمعهاكأنها صوت ضعيف قادم من الأرض يرافق آهات قلوب البشر المعذبين. تردد كلاما فيالسماوات عذبا شجيا، حينما ابتهلت من إله الكون وخالق الحب أن يحولها إلى أنثىبجمال ملائكي، وملاك صديق ساعدها في حمل دعائها إلى خالق السماء ومبدع الأرض ومانحالهبات بلا حساب كما في كتب السماء أو في الأساطير.
 
واستجاب لها رب السماواتوالأرض ومنحها ما تريد، لتعود وتهبط إلى الأرض بعدما تحقق طلبها بالدعاء وتحولتإلى أنثى بالغة الرقة والأنوثة والجمال، ولما رآها صاحب الصوت تأملها وهام في عمقعينيها، واحتسى من جمالها وأسكره حسنها وشبهها بصديقها القمر، فنسي كل من عرفقبلها وبعدها من النساء ليترك فيها أثرا سحريا لا يمحى أو يزول، وهو يقف أمامهاويتحقق حلمها الذي راودها في اليقظة والمنام.
 
حملها على جناحيه وهبط بها فيأرض بعيدة، وقصر فسيح لم تشهد مثيلا له من قبل. فيه آلاف الغرف المليئة بشتى أنواعالتماثيل من أطفال وملائكة ونساء عاريات منحوتة من الذهب الخالص، وعاج بلون أجسادالنساء. وتطل شرفات القصر على حديقة بديعة فيها من أصناف الزهر والثمر ما لذ وطاب.هكذا عاشت بجانبه أياما أشهى وأطيب من طعم العسل. كانت تقضي جل نهارها في حضنهتأنس بكلامه والاستماع إلى أخباره فتهابه وتجلّه كالملوك ويعظم في عينيها يوما إثريوم، وهي منصرفة إليه يعوضها عن الدنيا وما فيها من المباهج والأفراح، وكانيغادرها من جديد كلما حل المساء ولا يعود قبل انبلاج الفجر.
 
وذات يوم زار القصر حطاب يبيعالأخشاب، وتبدو على وجهه ملامح الخير والطيبة، وقف تحت الشرفة ينظر نحوها فرأت فيعينيه نورا، لم ترَ مثله في عيون البشر ولم ترَ كبهائه وسحره من قبل. سألها بخشية وترددعن صلة القربى بينها وبين صاحب القصر ومن أي أرض قدمت إليهم؟ فقد بدت له غريبة عنسائر أهل البلدة في الجوار، وأخبرته أنها  حبيبة صاحب القصر وقد قدمت من موطن بعيد. ورأتالحطاب وهو ينظر إليها قبل أن ينصرف بعين الشفقة والرثاء.
 
هكذا قضت في القصر زمنا جميلا طابتمعه طعم الحياة، ونشأت بين جوانحها لذة لو وزعتها على أهل الارض لما عرفوا بعدهابؤسا ولا شقاء. حتى سافر سيد القصر لأيام طويلة ثم عاد من سفره وقد  تغير حاله كثيرا عما كان عليه، وبدأ يصب عليهاغضبه في الصباح والمساء، فأساء عشرتها وانقلب رضاه إلى جفاء، وصار متقلب الفكر والمزاج،ومشتت الأحوال يقابلها بالغضب وبالتأفف لأتفه الأسباب. هكذا انقبض ضوء حياتها وخباالنور في عينيها شيئا فشيء وانكشفت حقيقة فتى الأحلام.
 
صار أمير القصر يكثر من الشراببغير حساب، ويأتي كل يوم بامرأة أخرى تنام معه في غرفتها، حتى أتى ذلك اليوم الذيهجرها  وطردها من قصره بلا ذنب إلاّ أنهاأحبته وأخلصت له بكيانها كله. تاهت أياما طويلة في الطرقات لا تعرف ملجأ ولا منزلاتأوي إليه. أصابها الفقر وتمزق حذاؤها ودميت قدماها من المشي حافية، فذبل جسدهاالغض وغاب نور وجهها وعينيها. دارت على نفسها في حلقة مفرغة مرهقة الجسد، لا تعرفالنوم ولا الأحلام الهانئة التي كانت تروادها أيام عيشها في قصر الأحلام، وقد انتزعتمن قلبها ونفسها كل أسباب السعادة والعيش برخاء، وعرفت لأول مرة كيف يكون الحزنوقسوة الدنيا وكيف تكون التعاسة والشقاء.
 
ألمّ بأعماقها وجسدها الوهن وهيلا تعرف أي طريق تسلك، حتى أخذها طريق طويل إلى غابة تنتهي بشاطئ بديع يريح العينويخفف عن النفس الهموم، حيث استراحت تحت أغصان شجرة وارفة الظلال، وهي مطرقةبرأسها كنعجة تنتظر سكين اللحام. ثم تكور جسدها على نفسه وسرقتها من نفسها إغفاءةقصيرة، وحينما أفاقت من نومها رأت أفعى عوراء العين، يتدفق من بين أنيابها دم يميللونه للسواد، وعندما بلغتها الأفعى صرخت بأعلى صوت وهبّ لمساعدتها على التو رجلقادم من ناحية الشاطئ أتى مسرعا لنجدتها، وهي تتوسل للأفعى وتسألها باسم الرب أنتعفو عنها فلا تؤذيها فانسحبت الأفعى واحتجبت خلف الأشجار، ولما وصل الرجل إليهاتعرفت من ملامحه أنه الحطاب.
 
بقي الحطاب يجود عليها بالطعاموالماء والغطاء، وينام  ليس بعيدا منهالحمايتها. وهكذا وثقت به وارتفعت في عينيها قيمة الحطاب.  بعد أيام قليلة وبينما الحطاب يتجول في الغابظهرت أمامه الأفعى العوراء، ولم يكد يهم بقتلها حتى تدخلت الفتاة للدفاع عن الأفعىعلى الفور، وقد اختبأت بين الحشائش وتوارت عن عينيه، بين ما تساقط من أوراقالأشجار. لكن الرجل صفعها بقوة من حيث لا يشعر بسبب تدخلها لتمنعه من أذى الأفعى،فيرتطم رأس الفتاة بالأرض وتسقط مغشيا عليها دون حراك.
 
ولما عادت لوعيها؟ وجدت الأفعىعلى صدرها تنظر إلى عينيها وتطمئنها، وقد اصفرّ وجهها وتجمدت أطرافها وتوقف الدمفي عروقها عن الجريان. قالت الأفعى: “لا تخافي يا صديقتي إنما أنا جنية طيبةلا تؤذي لكنه حقد عفريت في السماء حولني إلى أفعى تبدو عليها إمارات الشر. بعدمافقأ عيني ورماني من علو شاهق في الفضاء، وقد سقطت في بركة ماء ساعدتني على النجاة.
 
  شكرتالأفعى الفتاة على إنقاذها لها، وسألتها بدورها عن حالها وحكايتها، فقصَّت عليهاما جرى معها منذ أن كانت نجمة في الفضاء حتى هبطت إلى الأرض وكيف وصلت إلى الغابة،ووعدتها الأفعى بمساعدتها في العودة إلى موطنها الأول في الفضاء؛ ولكن ليس قبل أنتنتقم لها من سيد القصر.  توسلت إليهاالفتاة لكي تعفو عنه، وكانت لا تزال تحفظ الود لقلب الأمير، فلم تلتفت إلى كلامهاوتركتها وذهبت إلى قصره بسرعة البرق. وحالما أبصرته وقفت أمامه فتجمد في مكانه،وبردت أطرافه وتغيرت صورته وخانته أعصابه.
 
 ولما كانت الجنية تتقن إعداد الحيل، ولها ما ليسلسائر البشر من القدرة على فعله، فقد تركت صورة على هيئتها في القصر تلتف حول صدرالسيد وعنقه، وعادت إلي الفتاة مسرعة كما غادرت، فسعت أمامها والفتاة تتبعها ثمحملتها إلى خميلة في وسطها كوخ مهجور، رآها الحطاب ترافق الأفعى وتدخل برفقتها إلىالكوخ المهجور، فخاف عليها وبقي يأتي إليها كل ليلة بالدثار والطعام والماء وينتظرفرجا من السماء.
 
 بقيت  تتأمل السماء وتطيل إليها النظر فتراها مدهشةصافية كحديقة تزينها المصابيح فتلمع وتبرق وتضيء، والنجوم صغيرة تتوهج من بعيدكحبات لؤلؤ منثور، ونسمات الليل تدغدغ وجهها وتحمل إليها سلاما من أهل السماء، والقمريسكب أشعته في صدرها يربت على كتفيها ويغمرها بنوره الأخاذ، فيزيد شوقها ويعصف بهاالحنين إلى سمائها وفضائها وهي تجهش بالبكاء.
 
سجدت الأفعى في زاوية من زواياالكوخ، تقابل برأسها عرش رب السماوات، طمعا أن تعود النجمة كما كانت، حتى استجاب لرجائهاالإله وحان وقت عودتها للسماء. همست الأفعى في أذنها تقول لها: إن قلب الحطاب متيمبك ثم وعدتها بتسخير كنوز الأرض له للشكر والعرفان. تملكتها الفرحة والحسرة وتمنتفي أعماقها لو تبقى على الأرض تنعم بالحب إلى جانبه. لكنها لم تجروء على الطلبمنها مرة ثانية. وهكذا حملها ملاك على جناحه ونقلها إلى السماء بسرعة النور ورفةالأجفن ، وقد وجدت نفسها من جديد نجمة في السماء. وبقي الحطاب ينتظر عودتها من يومإلى يوم ويبتهل إلى الله من أعماق الليل ليستجيب للدعاء.
 
عادت الصبية نجمة في السماء،تتمنى للحطاب أحلاما مليئة بالسعادة والسرور، آتية من معاني القلب الخاشع الرقيق. نجمةتعبد الخالق وتبتهل إليه فتسبح وتطوف وتصلي، وتقتبس من نوره نورا تضيء به الأرض والسماء.الأرض بمن فيها وما عليها من الجبال والفيافي والبطاح. من قصور الأغنياء وأكواخ البسطاءوقلوب المحبين والظالمين على السواء. ممن يستحقون النور المنبعث من السماء يضيءدروب أهل الأض.
 
انتهت قصة النجمة وعادت إلىديارها يحدوها أمل العودة في اليوم التالي لتستمع هذه المرة إلى حكايات القمر، إلاأنها تفاجأت بأن عصاها السحرية انكسرت وضاعت منها  في متاهات الزمان.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى