مقالات

ماذا لو خرجت الحرب عن السيطرة؟


سيناريوهات اليوم التالي لـ”النصر الساحق”!
صلاح الهوني


مع تصاعد ألسنة الدخان فوق طهران وانطلاق الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل والقواعد الأميركية في الخليج خلال ساعات، لم يعد السؤال عمَّنْ بدأ الحرب، بل عن أين يمكن أن تنتهي. إن المخاوف الحقيقية لا تكمن في الضربة الأولى، بل في اليوم التالي والأسابيع التي تلي الضربة. فما هي السيناريوهات المتوقعة إذا خرجت هذه الحرب عن السيطرة؟

السيناريو الأول الذي يقلق الإستراتيجيين هو الاستنزاف العسكري الأميركي – الإسرائيلي. تعتمد إيران في إستراتيجيتها الدفاعية على توجيه وابل كثيف من الصواريخ والطائرات المسيّرة لإرباك أنظمة الدفاع الجوي واستنزاف مخزونها. والمشكلة أن الاعتراض الناجح يتطلب عادة إطلاق صاروخين أو ثلاثة اعتراضية باهظة الثمن مقابل كل هدف قادم، ما يعني أن التكلفة المالية تتضاعف بسرعة فائقة. تشير التقديرات إلى أن احتياطي الصواريخ الاعتراضية قد يبدأ بالنضوب خلال أيام إذا استمرت وتيرة الهجمات الحالية. بل إن هناك تقارير مقلقة تتحدث عن أن الجيش الأميركي قد لا يستطيع الحفاظ على وتيرة عمليات عالية لأكثر من أربعة إلى خمسة أيام قبل أن يضطر للانتقال إلى وتيرة أقل كثافة. هذا الاستنزاف لا يهدد الجاهزية في مسرح الشرق الأوسط فحسب، بل ينعكس سلبا على قدرة واشنطن على الردع في مسارح أخرى حيوية مثل آسيا وأوروبا الشرقية، حيث تراقب الصين وروسيا عن كثب مدى انشغال أميركا في مستنقع إيراني جديد.



السيناريو الثاني لا يقل خطورة، وهو التوسع الجغرافي للصراع. ما بدأ كمواجهة محدودة يمكن أن يشتعل كالنار في الهشيم. فالقواعد الأميركية في قطر والبحرين والكويت والإمارات أصبحت بالفعل في مرمى الصواريخ الإيرانية، وقد سقطت صواريخ إيرانية على مقر الأسطول الخامس في المنامة وأسفرت الضربات عن ضحايا مدنيين. كما أن تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، سيرفع أقساط التأمين ويضرب أسواق الطاقة ويخلق أزمة اقتصادية عالمية. إلى جانب ذلك، فإن إيران تمتلك شبكة أذرع منتشرة في ثلاث دول عربية هي لبنان والعراق واليمن، وهذه الشبكة لم تتعرض لأذى يذكر في الضربات الجوية لأنها صُممت أصلاً للبقاء والاستمرار حتى بعد توجيه ضربة قاصمة للدولة الأم. وقد بدأت هذه الأذرع بالفعل في التحرك، فالحوثي استأنف هجماته على السفن في البحر الأحمر خلال ساعات من بدء العملية، وكتائب حزب الله في العراق توعدت باستهداف القواعد الأميركية. تحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة على جبهات متعددة لم يعد احتمالا بعيدا، بل أصبح واقعا يتشكل أمام أعيننا.

السيناريو الثالث يتعلق بالجبهة الداخلية في واشنطن ذاتها. أي حرب تطول مدتها وتزداد خسائرها البشرية والمادية تتحول إلى ملف سياسي ساخن. فالإدارة الأميركية التي شنت هذه الحرب قد تواجه انتقادات متزايدة حول تجاوز صلاحيات الكونغرس في قرار الحرب، خصوصا إذا ما تورطت القوات الأميركية في قتال بري أو تكبدت خسائر فادحة. ما يبدو اليوم “انتصارا ساحقا” في البيانات الرسمية قد يتحول غدا إلى “مستنقع انتخابي” يضعف موقف الرئيس ويُهدد استقرار إدارته ويمنح خصومه السياسيين أوراق ضغط قوية في موسم انتخابي حساس.

أما السيناريو الرابع فهو الأخطر على مستوى طبيعة الصراع نفسه: انهيار قواعد الردع التقليدي. تقوم نظرية الردع على أن توجيه ضربة موجعة للخصم يردعه عن المواصلة. لكن ما حدث حتى الآن يشير إلى عكس ذلك تماما. فاغتيال قيادات إيرانية بارزة لم يوقف الرد الإيراني، بل زاد من وتيرة الهجمات. وإذا شعرت القيادة الإيرانية أن النظام ذاته في خطر، أو إذا تم اجتياح أراضيها بريّا، فقد تلجأ إلى خيارات كانت حتى الأمس القريب خطا أحمر: استخدام صواريخ باليستية بعيدة المدى لم تستخدم بعد، أو شن هجمات سيبرانية مدمرة على البنية التحتية للطاقة في المنطقة، أو حتى محاولة تعطيل حركة النفط بشكل كامل. في هذه الحالة، تتحول الحرب من صراع محدود الأهداف إلى مواجهة مفتوحة بلا خطوط حمراء ولا ضوابط.


السيناريو الخامس يرفع الرهان إلى المستوى الدولي. في اتصال هاتفي جرى يوم الأحد بين وزيري خارجية الصين وروسيا، وصف الجانبان الضربات الأميركية- الإسرائيلية بأنها “غير مقبولة” وتنتهك القانون الدولي، وحذرا من أن الوضع في الشرق الأوسط قد “يُدفع إلى هاوية خطيرة”. هذه ليست مجرد بيانات دبلوماسية عابرة. إنها تعكس استعدادا روسيّا – صينيّا لاستغلال الموقف لتقويض النفوذ الأميركي في المنطقة، سواء عبر توفير غطاء سياسي لإيران في مجلس الأمن، أو عبر تقديم دعم استخباراتي وتقني. كما أن أوروبا، التي ترى مصالحها الاقتصادية مهددة بشكل مباشر في الخليج والبحر الأحمر، قد تجد نفسها مضطرة للانخراط دفاعيّا إلى جانب الولايات المتحدة بشكل أوسع، مما يحول المواجهة من صراع ثنائي إلى أزمة دولية متعددة الأطراف. هنا يصبح سيناريو “الحرب العالمية الثالثة” -رغم تهويلية المصطلح- أقرب إلى الاحتمال الواقعي منه إلى الخيال السينمائي.

في خضم كل هذه السيناريوهات المرعبة، تبرز أصوات العقل محذرة. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش شدد في جلسة طارئة لمجلس الأمن على أن الضربات تنتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ودعا إلى فعل كل ما هو ممكن لمنع التصعيد. كما أن إيران نفسها، عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي، أعلنت عن استعدادها للتهدئة؛ فقد قال عراقجي “نحن بالتأكيد مهتمون بخفض التصعيد. إذا أراد الأميركيون التحدث إلينا، فإنهم يعرفون كيف يمكنهم الاتصال بي”. هذا الانفتاح، الذي صدر تحت وطأة القصف، يشير إلى أن الطرفين قد يكونان قريبين من اتفاق كان وشيكا قبل اندلاع الحرب، ويطرح السؤال المرير: لماذا الضربات إذا كانت المفاوضات على بعد خطوات؟

يبقى السؤال الختامي مفتوحا على كل الاحتمالات: هل يمكن للعالم أن يتحمل حربا مفتوحة في الخليج، تطال البنية التحتية للطاقة، وتشعل جبهات متعددة، وتستنزف القدرات العسكرية للقوى الكبرى، وتجر أطرافا دولية إلى مستنقع مواجهة شاملة؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة ضبط المسار، والانتقال من منطق “النصر الساحق” الوهمي إلى منطق التسوية السياسية الواقعية، قبل أن تنزلق المنطقة والعالم إلى هاوية قد لا تُبقي ولا تذر؟ فالمعادلة باتت واضحة: إما ضبط النفس والعودة إلى طاولة الحوار، أو الانجراف نحو سيناريوهات لا يمكن لأحد السيطرة على نتائجها.العرب

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى