كتاب عدن

ذكرى تحرير عدن: حين انتصرت إرادة الأرض وسقط مشروع الانقلاب.



✍️: محمد عسكر

تحل ذكرى تحرير عدن، فتعود معها إلى الذاكرة أيامٌ كُتبت بالدم والصبر والتضحية؛ أيامٌ أثبتت فيها عدن أن الأوطان قد تُحاصر، لكنها لا تنكسر، ما دام فيها رجال ونساء يعرفون معنى الحرية والكرامة والفداء.

حين حاصرتنا جحافل مليشيا الحوثي، واجهناها بإيمانٍ عميق بأن الحق مع أصحاب الأرض، وأن الصمود هو الخيار الذي لا بديل عنه. وحين استعرضنا خريطة محافظات اليمن، وجدنا أن معظمها كان قد تساقط تباعًا كقطع الدومينو، حتى وصلوا إلينا. عندها كان حتميًا أن تقدم عدن درسًا جديدًا من سجلها الخالد في المقاومة والنضال ورفض الإذلال وكسر إرادة الشعوب.

فلم تكن المعركة ذات طابع عسكري فحسب، بل كانت مشروعًا لحماية الهوية والحرية ومستقبل الناس.

وكان ذلك انتصارًا كبيرًا، إذ انكسر في عدن المشروع الإيراني الذي سعى إلى ابتلاع المنطقة. ومثّل تحرير عدن انتصارًا لقضية عادلة، ورسالةً واضحة بأن الشعوب لا تُهزم إذا تمسكت بحقها ووحدت صفها.

وهنا أسجل شهادةً للتاريخ: لقد واجهنا في عدن، نحن أبناء المديريات المختلفة، وفي أرواحنا تسري مقاومة الحراك الجنوبي وثقافته. ومهما تعددت التوجهات الأيديولوجية، لم تكن هناك مقاومة باسم حزب أو كيان سياسي، بل كانت مقاومة شعبية جامعة. وسنذكر كل الحقائق حين ندوّن ونوثق شهادتنا عن تلك المرحلة، ولن نسمح بتزوير التاريخ ما دمنا على قيد الحياة.

ولم يكن لهذا الانتصار أن يتحقق لولا دعمٌ صادق من الأشقاء في التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، ودورٌ فاعل على الأرض لبواسل دولة الإمارات العربية المتحدة، جنبًا إلى جنب مع أبطال المقاومة.

لكن، وللأسف، وخلال أكثر من عقد منذ تحقيق ذلك النصر الكبير، لم تتحقق الآمال العريضة، نتيجة غياب الرؤية الموحدة، والقيادة الواحدة، والمشروع الجامع. فعصفت بعدن وأبنائها صراعات أهدرت كثيرًا من الطاقات والجهود. وإن الوفاء الحقيقي لدماء شهداء عدن لا يكون إلا ببناء مؤسسات دولة حقيقية، ومكافحة الفساد، والانتصار لمبدأ تكافؤ الفرص، وترسيخ سيادة القانون.

إن احتفاءنا بهذه الذكرى العظيمة ليس مجرد استذكارٍ لكيف صنعنا جميعًا، في عدن والجنوب، وبزخمٍ صادق من القوى الحرة في مختلف أنحاء اليمن، هذا اليوم الأغر، بل هو أيضًا محطة لمراجعة المسار وضبط التوجه نحو المستقبل بما يليق بتلك التضحيات، سواء في عدن، أو الضالع، أو تعز، أو مأرب، أو لحج، أو شبوة، أو في كل جبهات مقاومة المشروع الإيراني في اليمن، وذلك في إطار مشروع مجلس القيادة الرئاسي بقيادة الدكتور رشاد العليمي لاستعادة الدولة والعاصمة صنعاء.

كما تمر هذه الذكرى هذا العام وسط متغيرات شديدة التعقيد على مستوى الجنوب واليمن، وقد تعصف بالمنطقة برمتها، وهو ما يستدعي توحيد الصف، وتجاوز عقلية الفشل السياسي التي أدمنتها القوى السياسية اليمنية، والارتقاء إلى مستوى التضحيات التي قُدمت طوال أكثر من أحد عشر عامًا، من أجل استعادة العاصمة صنعاء، وإعادة الاعتبار لتضحيات الجنوب، واحترام إرادته في تحديد مستقبله السياسي، بما يخرج اليمن من أتون الصراعات إلى واحة الأمن والسلام والتنمية واحترام حقوق الإنسان.

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى