رحلة في تيه الكيان الإنسانيّ

فبراير 01, 2017
عدد المشاهدات 829
عدد التعليقات 0
قراءة في المجموعة القصصيّة”التّيه” للقاص والرّوائي التّونسي حسن السّالمي
مادونا عسكر/ لبنان
يضعنا القاص والرّوائي حسن السّالمي في مجموعته “التّيه” أمامعنوان للمجموعة ذي دلالات مرتبطة بالسّلوكيّات الإنسانيّة على المستوى الفكريوالرّوحي والاجتماعي والعلائقي. فيختزل معنى التّيه في مجموعة قصص متماسكةالنّسيج، مشكّلة جسداً واحداً. وكأنّي بالقارئ أمام كيان إنسانيّ يتدرّج تيهه من المستوى المكانيّ مروراًبالتّيه المرفق بالتّشبّث الجاهل وصولاً إلى العلاقات الاجتماعيّة. ثمّ يبلغالتّيه ذروته في السّلوك الإنسانيّ المرتبط بالأخلاقيّات. فيشهد القارئ تيهالإنسان عن ذاته، كما عن محيطه، ويتعمّق الكاتب ليصل في تعبيره عن التّيه المرادفللغربة في داخل الإنسان. وبالتّالي فالقارئ أمام شكل من أشكال التّعبير عن التّيهالإنسانيّ المتجذّر في الحياة الاجتماعيّة أوّلاً، وفي الدّاخل الإنسانيّ ثانياً،بفعل الفوضى الإنسانيّة الّتي تعبّر عنهاالسّلوكيّات والممارسات الإنسانيّة.
يفتتح الكاتب مجموعته بقصّتين يتكوّن إطارهما في الصّحراء (لدغـــــة ص4/ التّيـــــه ص6)، فتأتي دلالةالصّحراء في سياق الوحدة، والفراغ، وفقدان دلالة الاتّجاه. ما يرمز إلى التّيهالمكانيّ، خاصّة أنّ القصّة الأولى تبيّن ظروفاً إنسانيّة قد تودي بحياة الشّخصيّةإلى الموت. لم يتدارك الرّاعي المأخوذ بهواجسه وأفكاره، خروج حيّة من وكرها لتبثّسمّها في لحمه، فما كان من السّمّ إلّا أن يدفعه إلى شفير الهاوية. والتّيه هنايعبّر عن القلق السّاكن في النّفس الإنسانيّة (غير بعيد عن قطيع الإبل الباركة في عرضالصّحراء، جلس راعيها على الأرض يعالج إبريق شاي على نار هادئة، وقد طوّفت بهأفكاره وحبلت رأسه بهواجس لا حصر لها./ ص5). لكنّه يجنح كذلك إلى التّيه نتيجة الوحدة (أيقنبالنّهاية، ولأوّل مرّة يشعر بقسوة الوحدة، سيما والمضارب جدّ بعيدة.. التفت حولهفي يأس.. لا شيء إلاّ هذه الصّحراء القاتلة بصمتها وسكونها… / ص5).
حرص الكاتب على سردالقصص بدقّة ملازمة للشّخصيّات والظّروف، بل رسم السّلوك الإنسانيّ ببساطة تتيحللقارئ أن يتأمّل ذاته وكأنّه أمام مرآة تعكس تصرّفاته أو تصرّفات الإنسان بشكلعام تجاه مواقف عدّة، كالسّلوك الّذي يعبّر عن تيه الإنسان عن إنسانيّته في قصّة (منثقب إبرة/ ص20). فتلك السّيدة المزمعة ألّا تلبس إلّا ما اشتعل سعره وغلاثمنه، تبيّن الفراغ الإنسانيّ الدّاخليّ من جهة، وارتباط القيمة الإنسانيّةبالمادة من جهة ثانية. ما يدلّنا على تيه يجتاح المجتمع، بحيث فقدت القيمةالإنسانيّة قدسيّتها؛ لأنّ الإنسان يبحث عمّا يعزّز ظاهره لا عمقه الإنسانيّ.
(صكّت الأرض برجليها،دافعة بالفستان إلى البائع في اشمئزاز واضح، كما لو كانت القذارة بين طيّاته..التفتت إلى صاحبتها قائلة والزّبد على شفتيها:
– أمثلي يلبس هذا!
-لكنّه رائق عليك.. أظهرك كأجمل ما تكون النّساء!
-أيّتها المجنونة.. لا ألبس إلاّ ما اشتعل سعره وغلا ثمنه!/ص).
يتجلّى التّيه بقسوةفي قصّة (المثبّطون/ ص22) حيث يتعرّض مخترع للتّحقيق بسبب اختراعه الّذيهدف من خلاله خدمة وطنه. وإذ يتمّ نبذه تنكشف في ذاته الغربة داخل الوطن (“ذرونيوحيداً. لا أنيس لي إلاّ بقايا أمل يوشك أن يندثر..”)، (“ويظلّ هذاالصّحن يدور في رتابة، يأكل من أحلامي كلّ حين.. فلمّا خرّ سقفها وأتى عليهاالدّمار، قيل لي: أخرج.. ولا تعد إلى مثل اختراعك.. الوطن لا يحتاج إليك!”). إنّه التّيه المرادف للإحباط، وفقدانالقدرة على تحقيق الهدف، والمترافق والشّعور بالخذلان وخيبة الأمل. غالباً ما يرسمالإنسان صورة محدّدة لوطنيّته إلّا أنّه يواجَه الخيبة عندما يصطدم بواقع مغايرلذلك الّذي آمن به. (بعد أيّام أخرى شاهدوه في السّوق جالسا على الأرض، يبيعمناجل ومحشّات من صنع يده!)
وما يلبث الكاتب أنيعبّر عن التّيه المرتبط بالجهل والخرافات المبيّن للجانب الإنسانيّ القلق منالمستقبل. فيبحث الإنسان عن ضمانة لظروفه وأهدافه وعلاقاته في دواميس الخرافاتليطمئن نفسه، ويضمن مستقبل علاقاته، سواء أكانت علاقة حبّ أم صداقة، أم عمل، أمنجاحاً وظيفيّا أو علميّاً… (التّميمة/ ص31)
يأخذ التّيه شكله الأشدّ قسوة في تأثيره في التّضليل الدّينيّ، حينيستخدمه الإنسان لتحقيق مآربه الشّخصيّة،فيتوه عن نفسه وعن الله، بل وينصّب نفسه إلهاً ليستحكم ويتحكّم. (حكاية منبر/ ص 116). يربطالكاتب هذا التّحوّل السّلوكيّ الديّنيّ بالثّورة، ولعلّه يرى فيها تدخّل أطرافاستغلتها في سبيل السّيطرة مستغلّة الدّين لتحقيق أهدافها. (أنت.. انزل.. سوّدالله وجهك.. لا يجلس على هذا المنبر إلا تقيّ!). ولعلّه يرى الوجهالسّلبيّ للثّورة، إذ إن هذا التّحوّل أتى سريعاً. فالكاتب يستخدم عبارات تدلّ علىجهوزيّة تمهّد لهذه الأطراف الوصول إلى أهدافها (أسبوع واحد بعد الثّورة/أسبوعان بعد الثّورة). وسيؤدّي هذا التّحوّل الدّينيّ إلى نزاعات وصراعات بينأبناء الدّين الواحد:
(والتقت الهراوات في سماء المسجد.. هوت على الرّؤوس والأذرع والأيدي، فتدافعالرّجال حتّى سال الدّم…
قيل أنّ الملائكة بكت في ذلك اليوم.. كذلك فعلت السّماء…).
وهكذا يتطوّر مفهوم التّيه، ليشمل الكيان الإنسانيّ، ويصبحهذا المعنى مفتوحاً على دلالات أعمق مما تنتجه البنية الصّوتيّة لهذا المصطلح،جغرافياً واجتماعيّاً ودينيّاً وسياسيّاً كذلك، وبهذا تغدو مهمّة الأدب مهمّةمضاعفة في تحميل الألفاظ أبعد ممّا يتصوّر القارئ؛ إنتاجاً لنصّ معرفيّ زاخربأدواته الفنيّة المعبّرة.



