الاستقلال والهوية الجنوبية المستقلة

نوفمبر 30, 2018
د. خالد مثنى حبيب
في نهاية شهر نوفمبر من عام 1967 م عاد إلى عدن وفد الجبهة القومية المفاوض في جنيف والذي من ابرز المشاركين فيه كل من قحطان الشعبي وسيف الضالعي ومحمد احمد البيشي وعبد الفتاح إسماعيل وآخرون… , حيث كان في استقبالهم حشد كبير من شعب الجنوب تعبيرا عن فرحته بهذه المناسبة. فقد ألقى الرئيس قحطان الشعبي خطاباً تاريخياً في الجماهير المحتشدة في أجواء مفعمة بالفرح ومشاعر الانتصار الذي أتى ثمرة لنضال 4 سنوات من الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني. إن الاستقلال حدث مفصلي تحولت فيه الجنوب من سلطنات ومشيخات إلى دولة واحدة بجغرافيا واحدة وهوية واحدة ورئيس واحد هو الرئيس الراحل قحطان محمد الشعبي رحمه الله . ويعد ذلك الانجاز معجزة إذا ما قارناه بحالنا اليوم وما نعيشه من ظروف سياسية وامنية معقدة على مختلف المستويات المحلية والاقليمية والدولية.
ويعد الاحتفال بذكرى الاستقلال 30 نوفمبر من عام 1967 هذا العام مختلف عن سابقه فقد تم الاحتفال والجنوب تحت سيطرة ابناءه الشجعان و تم الاحتفال في عدن وردفان وشبوة بحشود جماهيرية وعروض عسكرية مهيبة تعكس معاني الحرية والكرامة للشعب الجنوبي الابي ومقاومته الباسلة, وتعكس ايضاً وحدة الجنوب من اقصاه الى اقصاه تحت علم الجنوب طلبا للاستقلال ورفضاً للتجزئة والاقلمة المقترنة بالتبعية لحاكمية صنعاء وشرعنة الاحتلال اليمني للجنوب. فإذا كانت ثورة 14 أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني قد حولت الجنوب بالأمس من كيانات متصارعة إلى دولة واحدة توجت بيوم الاستقلال فكيف يمكن اليوم لثورة الجنوب التحررية التي انطلقت من عام 1994م إن تحرر الجنوب ومن ثم تجزئه إلى أقاليم لخدمة أطراف أخرى خارجية وداخلية تحت ما يسمى بالمرجعيات الثلاث؟, فإذا لم تستطيع بريطانيا رغم كل محاولاتها وإمكانياتها من وأد ثورة 14 اكتوبر فلن يستطع لا دعاة الحق الإلاهي – السلالي -الحوثي ولا دعاة المرجعيات الثلاث في السلطة اليمنية من اسكات هدير الشعب الجنوبي التواق للحرية والاستقلال.
وبمقارنة الماضي بالحاضر , وبرغم الأخطاء التي شابت عمل التنظيم السياسي الجبهة القومية خلال فترة حكمه للجنوب إلا إن التاريخ يسجل في انصع صفحاته انه كان تنظيما سياسيا وثوريا دقيقا وناجحا قاد الثورة إلى بر الأمان, وقد وصف جورج شاكلتون رئيس الوفد البريطاني في جنيف حينها وفد الجبهة القومية المفاوض بأنهم رجال من العيار الثقيل بعكس ما كان يتوقع بأنهم مقاتلين قبليين لا علم لهم بالسياسة, فكانوا يستدلوا بالوثائق والبراهين عما يتحدثوا عنه. فبرغم الخلاف بين الجبهة القومية وجبهة التحرير حينها عن تمثيل الجنوب الذي لا نستطيع التطرق الى تفاصيله في هذا المقال, الا أن الجبهة القومية انفردت بهذه المفاوضات بعد سيطرتها عسكرياً وسياسياً على الجنوب واعترفت بها دول اقليمية مثل مصر والجزائر.. التي سهلت مهمتها في نقل الوفد الى جنيف للتفاوض مع بريطانيا حول استقلال الجنوب. وبالتالي علينا استلهام الحقائق والعبر من الموروث السياسي الجنوبي في كيفية ادارة تمثيل الجنوب في أي مباحثات قادمة لإيقاف الحرب وتسوية النزاع في اليمن, أكانت مباحثات السويد أو ما يليها. ونحن على ثقة من قدرة وكفاءة القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في ادارة هذا الملف لمنحه تفويض من الجمعية الوطنية الجنوبية لتمثيل الجنوب في أي مفاوضات اممية قادمة تحت اشراف الامم المتحدة ,واعطي له التفويض بالمشاركة او عدم المشاركة بحسب ما تمليه الظروف التي تخدم قضية شعب الجنوب, حيث شكل وفد تفاوضي من سياسيين وقانونيين ودبلوماسيين ذات كفاءة واقتدار واجهوا المبعوث الاممي البريطاني في اليمن جرفيتش في موقف واعي وصلب في المشاورات السابقة غيرت من خطته التفاوضية وركزت اهتمامه في ادراج قضية الجنوب السياسية في المباحثات القادمة رغم اعتراض الاصدقاء الاعداء .. الحوثية والشرعية الإخوانية…
وما يجب إن نقوله وفقا لقناعتنا ودرايتنا عن الاستقلال في ذكراه الحادي والخمسون هو إن هذه الذكرى هي ذكرى عظيمة وغالية على قلب كل وطني جنوبي, لما تحمله من دلالات سياسية هامة في تاريخ وحاضر ومستقبل شعب الجنوب الثائر التواق للاستقلال من براثن الاحتلال اليمني المتخلف , فقيام ثورة 14 اكتوبر الجنوبية وانتصارها بتحقيق الاستقلال عن دولة عظمى مثل بريطانيا يعد حقيقة موضوعية مفادها ان الجنوب كيان واحد بارض وشعب وتاريخ وهوية مستقلة وقضيته قضية واحدة لا يمكن تجزئتها بقضايا مطلبية مفتعلة لما يسمى بالقضايا العدنية والحضرمية والمهرية والشبوانية التي عادتا ما تظهر اعلاميا كلما تقدم الجنوب نحو تحقيق هدفه.
وفي هذه الذكرى لا يسعنا الا أن نقول بأن الاستقلال مثَل خير وبركة لشعب الجنوب تحققت فيه الحرية وتحسنت فيه مستوى معيشة الشعب نحو الأفضل, وفتحت المدارس والمستشفيات وبنيت المصانع وشيدت الطرقات وكل تلك الانجازات تصب في بناء الأنسان وتنشئته التنشئة السليمة. وكانت فترة الرئيس الشهيد سالم ربيع علي (1969 – 1978م) هي الاجتياز الصعب والفترة التي وقفت الدولة الجنوبية الفتية جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية فيها على قدميها عسكريا وامنيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا .
وفي الختام وبالرغم من القضاء على منجزات الاستقلال من قبل وحدة 77 المشؤمة والتهميش المتعمد لذكراها وبنسبها لغير اهلها, الا أن آمالنا تتجدد وأحلامنا تتحقق إنشاء الله بتحقيق الاستقلال عن منظومة الجمهورية العربية اليمنية وبناء دولة جنوبية مدنية حديثة تحفظ لشعبها وأجيالها القادمة العزة والكرامة والتقدم والاستقرار.
تحية لشهداء ثورة 14 اكتوبر في ذكرى الاستقلال.
تحية لقادة الاستقلال وفي مقدمتهم رئيس دولة الجنوب الرئيس قحطان الشعبي
تحية لشهداء الحراك السلمي والمقاومة الجنوبية الذين سطروا ملاحم بطولية في تحرير ارض الجنوب والساحل الغربي من عبث المليشيات الحوثية… العفاشية
تحية لقوى التحالف العربي في دعمها ومساندتها لنضالات شعب الجنوب التحررية
تحية للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي على جهوده النضالية والسياسية والدبلوماسية الرامية الى تحقيق استقلال الجنوب واستعادة دولته المغتصبة.
30/نوفمبر /2018م



