شعفل . . . مأساة الثائر الذي لم يعد إلا لمعانقة الثرى

نوفمبر 23, 2021
همس اليراع
شعفل . . . مأساة الثائر الذي لم يعد إلا لمعانقة الثرى
د عيدروس نصر
ليست مأساة الفقيد المناضل الوطني والثائر الأكتوبري الكبير الأستاذ الفقيد شعفل عمر علي أنه مات متأثراً بفيروس كورونا البغيض، فالموت حق على الصغير والكبير وعلى الغني والفقير، لكن مأساة شعفل الذي التحم بالثورة الأكتوبرية منذ ريعان شبابه أنه أمضى قرابة ثلاثة عقود من عمره نازحاً من الأرض التي وهبها عمره وضحى من أجلها بشبابه وكل حياته، وكان يمكن ان يقضي نحبه شهيداً في محراب ثورتها، ليكافأ بالاستبعاد والإقصاء والعيش نازحاً في منزل متواضع بالإيجار الشهري في أرض اللواء بقاهرة المعز ملاذ المقهورين ومأوى الثائرين الملاحقين من أنظمة القمع والاستبداد.
تلخص الحالة التراجيدية للفقيد المناضل شعفل مأساة آلاف المناضلين الذين يصنعون الثورات ويبنون الدول ثم يأتي أخد نصابي الثورات وسارقي الانتصارات فيسطو على ما ساهموا في إنجازه ويحولهم إلى متهمين مطاردين بينما يدعي هذا النصاب احتكاره للوطنية وتوزيعها لمن يشاء من الأقرباء والمحبين.
* * *
حينما بدأ المناضل شعفل عمر علي ورفاقه في بناء الخلايا التنظيمية السرية للجبهة القومية في عدن والضالع وفعل غيرهم مثلما فعلوا في غيرها من المناطق الجنوبية، كانوا يحلمون بوطن تظلله الحرية ويسوده السلام والنهوض الاقتصادي والاجتماعي والوئام الوطني والكرامة الإنسانية، وقد كاد هذا أن يتحقق، لكن الزمن ليس دوماً مع الحق، فهو لا يعترف بالأمانة النقية، ولا ينتصر للحقيقة لمجرد أنها حقيقة، بل إنه يفتح من البوابات والنوافذ ما قد يتسلل منه المحتالون وسارقو الانتصارات ومزورو التاريخ وأدعياء الوطنية، وذلك تماماً ما تعرضت له التجربة الجنوبية التي كان شعفل أحد صناعها.
لقد كان نصيب الثائر الأكتوبري شعفل من مأساة ١٩٩٤م مضاعفاً بالمقارنة مع زملائه ورفاقه القادة الجنوبيين ومعهم كل المواطنين الحنوبيين الذين تجرعوا مرارات الغزو وألام الإقصاء والاستبعاد والحرمان، باستثناء القلة القليلة التي جاهرت بإدانتها للضحايا والإشادة بالجلادين وسياساتهم العدائية لكل ما هو جنوبي من كل ما يمت للحقيقة بصلة، فالإقصاء والاستبعاد وإدانة القضيلة وتعميم الرذيلة من نهب الوظيفة والمرتب والارض والممتلكات إلى السطو على الحقوق القانونية والهيمنة على صناعة القرار والتحكم في مصائر الوطن والمواطنين كل ذلك قد وصل معظم البيوت والأسر الجنوبية، لكن نصيب الفقيد المناضل شعفل عمر علي من هذه التراجيديا كان متميزا في أمرين فيهما من المرارة والغبن أضعاف ما فيهما من الظلم والحرمان.
* ففي أتون الحرب الجائرة على الجنوب في العام الأغبر 1994م، وانتصار الباطل على الحق فقد شعفل افراد اسرته الذين غادروا عدن في رحلة بحرية يتوقع الكثيرون ان قوات الغزو تعرضت للقارب الذي كانوا يستغلونه فانتهى بهم الطريق إلى مصير ما يزال مجهولا حتى اللحظة، بينما ظل فقيدنا يبحث عنهم عبر جميع الوسائل وبكل الطرق حتى يوم وفاته.
* وفي رحلة النزوح المر وحينما تدبر الكثير من زملائه النازحين أمورهم وعادوا إلى ارض الوطن، وليس في هذا ما يعيب، ومنهم من تعايش مع نظام الغزو واختار أن يقدم له خدماته بعد أن نسي المأساة أو تناساها، بقي شعفل ومعه قلة من الرفاق من ضحايا الحرب متعايشين مع مرارات النزوح وآلام فراق الأهل والأحباب ومسقط الرأس وملاعب الصبا، ومنهم من توفاه الله نازحا كالفقيدين المناضلين مثنى سالم عسكر ومحمد علي القيرحي وآخرين وكان آخرهم فقيدنا شعفل الذي أمضى قرابة العقود الثلاثة في ارض الكنانة قانعا بالبسيط من متاع الحياة مكتفيا برفاهية العزة وترف الكرامة التين لم يعرضهما للمساس أو الانتقاص.
* * *
طوال فترة السبعينات وحتى منتصف الثمانينات كان اسم الفقيد شعفل يتردد على مسمعي، كما على مسامع الغير، عبر وسائل الإعلام المختلفة بالنظر لأدواره الوطنية والمواقع التي شغلها في قيادة الدولة الجنوبية والتظيم ثم الحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وكنت شخصيا من المعجبين بخطابه ولغته الرصينة التي كنت أقرأها في الصحافة أو أسمعها عبر المذياع والتلفاز، كما كنت معجباً بسلوكه السياسي المتوازن في الفعاليات وألأحداث المختلفة، لكنني لم أنل شرف التعرف عليه وجهاً لوجه إلا عند نهاية الثمانينات حينما كُلِّفتُ بمهمة سكرتير الدائرة العامة لمنظمة الحزب الاشتراكي في محافظة أبين وكان الفقيد يشغل سكرتير الدائرة العامة بسكرتارية اللجنة المركزية التي تولاها خلفاً للشهيد عبد الفتاح اسماعيل بعد أن كان نائبا له قبل يناير 1986م.
كنا نلتقي بشكل شبه أسبوعي، فكانت فرصة التعرف عن كثب على شخصية وطنية قيادية وسياسية استثنائية وعلى مهارة وخبرة متميزة في فن الإدارة والتفكير السياسي المتسم بالواقعية من جهة والنقاء والوفاء للقيم والمبادئ الوطنية والإنسانية من ناحية أخرى، فكان في كل هذا ما أكد لي سلامة تصوراتي السابقة عن هذا القائد الأكتوبري الأصيل.
* * *
في فترة نزوحه القسري في القاهرة التقيت الفقيد مرات عديدة، وفي كل مرة كنت أجد فيه ذلك الثائر الأكتوبري الذي لم تهزه العواصف ولم تزحزحه النوائب ولم تؤثر الانتكاسات على إيمانه بالقيم والمبادئ التي تشربها منذ يومه الأول عندما وضع يمينه على المصحف مؤدياً قسم الولاء للثورة والوطن كعادة تقيد بها تنظيم الجبهة القومية منذ تأسيسه، عند استقطاب كل عضو جديد إلى صفوفه.
مأساة الفقيد شعفل تعيد إلى الأذهان أمراً كاد الكثيرون أن ينسوه وهو إن هناك صنف من البشر الأُصَلاء لا يمكن أن يتراجع عما يؤمن به من مبادئ وقيم أو يتخلى عما يتمسك به من قناعات، مهما توالت عليه النكبات أو تداعت عليه النوائب، ومن هذه السيرة العطرة فليتعلم المبتدئين الذين ما إن يسهر أحدهم ليلة في موقع ماء أو يتعب يوماً في حراسة منشأة حتى يبدأ بسبغ الألقاب على ذاته ومنح نفسه الصفات والسجايا التي لا يتسابق عليها إلا الأنانيون والتافهون والطارئون من أدعياء النضالية والوطنية الزائفة، الذين ما يزالون ما قبل بوابتها وقد لا يدخلونها أبداً.
لروحك السلام والمغفرة في رحاب الرحمن الرحيم
ولذكراك الخلود في أنصع صفحات التاريخ أيها المناضل الأبي
ولكل أهلك وذويك ورفاقك ومحبيك ونحن منهم الصبر والسلوان



