كتاب عدن

فوضى العقول: حين يصير الكل فلاسفة والكل سياسيين والكل قضاه



في وادينا الجميل بالضالع، حيث الجبال الشامخات تروي حكايات الأجداد، نعيش اليوم مفارقة عجيبة
عجبتُ فيها لأمرنا في هذا الزمان! كأنما سُكِرنا بكأس الوهم، فظن كل منا أنه سليمان في حكمته، وأفلاطون في فلسفته، وقيصر في سياسته
صرنا جميعاً حكماء وفلاسفة، قضاة وحكام، خبراء اقتصاد ومفكري سياسة، في مشهد أشبه بمسرح يعزف فيه كل ممثل لحنه الخاص، فلا تستطيع أن تميز بين قائد الجوقة وعازف الناي. لقد تركنا مجالس العقلاء، وتجاهلنا أصحاب البصيرة من السياسيين الذين كان بإمكانهم أن يضيئو لنا الدرب، فما كدنا ننصت لحكمة ولا نسمع لصوت عقل ، ولم نكلف أنفسنا عناء بناء هيئات قانونية تؤطر طموحاتنا وتقونن اختلافنا. فكانت النتيجة المحتومة: كل إنسان صار قاضياً في قضيته الخاصة، وخبيراً في شؤون لا يعرف منها غير ظاهرها، ومفكراً يرى أن الحقيقة لا تخرج عن رأيه وحده. وهكذا صرنا خارج السرب كالنحل الذي فقد ملكته، وتفرقنا جماعات وأحزاباً متناحرة، كل يظن أن صوته هو الوحيد الذي يجدر أن يُسمع، وتحولت ساحات حوارنا إلى ميادين مهاترات كلامية يموت فيها الحوار قبل أن يولد، وتُدفن الحكمة تحت وطأة الأصوات المتعالية.
إن الخروج من هذه الدوامة لا يكون إلا باعتراف جريء: ليس كل من هب ودب يصح أن يكون فيلسوفاً أو قاضياً أو حاكماً. فالتخصص ليس عيباً، والرجوع إلى أهل الخبرة ليس ضعفاً، بل هو عين القوة والعقل. ومن هنا، نقترح خطوات عملية،
أولها: أن نعيد الاعتبار لأهل الحكمة والخبرة، ونمنحهم ثقتنا لنكون لهم سامعين حين يتكلمون، ولنرجع إليهم حين نختلف، فالجماعة لا تقودها كل الأصوات بل يقودها من وهبهم الله رحابة صدر وفراسة نافذة ورؤية ثاقبة .
ثانيها: أن نبادر إلى تأسيس هيئات قانونية وسياسية على أسس واضحة يتفق عليها الجميع قبل أن تنهار كل جسور الثقة، لأن مؤسساتنا لا تبنى بالهتاف بل بالتفاهمات المدروسة والنصوص المنضبطة.
ثالثها: أن نتعلم ثقافة التخصص والتفويض، فلا عيب أن يقول الرجل: “هذا ليس من فني”، ولا عيب أن نكل أمر القضاء للقضاة، وأمر الاقتصاد للاقتصاديين، وأمر السياسة لمن مارسها وأتقن أصولها.
رابعها: أن نستعيد حوار العقلاء ليس بوصفه مجلساً للفصل والإدانة، بل فضاءً للتشاور لا يخرج منه أحد بخفي حنين، ولا يظلم فيه أي صوت مهما كان صغيراً، على أن يديره عقول متزنة لا انفعالات متأججة.
نحن في الضالع، أهل الصبر والعزة، أقوى من أن تهزمنا فوضى الأصوات. لكن القوة الحقيقية أن نعترف بحدودنا، وأن نصنع لأنفسنا مراتب: علماء نرجع إليهم، وحكماء ننصت لهم، وقضاة نحتكم لقضائهم، وقادة نبايعهم على الحق. فإما أن نعيد بناء هرمنا المقلوب، ونضع كل إنسان في المكان اللائق بخبرته وعلمه، وإما أن نظل كما نحن أطيافاً متنازعة لا تجمعها رابطة ولا توحدها مصلحة. والاختيار لنا، فلنختر رشدنا قبل أن تأكلنا الفرقة.

د عادل السريحي
٨ مايو ٢٠٢٦

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى