كتاب عدن

عن نضوب النفط وأشياء أخرى…



منذ عقود، انشغل الفكر الاقتصادي الغربي بسؤال “النضوب الطبيعي للنفط”، محذّراً من بلوغ الإنتاج العالمي الذروة، ثم انحداره في مواجهة طلب متصاعد، قد يصيب الحضارة بما يشبه أعراض “مجاعة طاقوية”.

لكن التجربة لم تُلغِ الأساس العلمي لهذه الفرضيات، بقدر ما كشفت حدودها، إذ ظلّ عامل التكنولوجيا والاستثمار قادراً على إعادة تشكيل المعادلة وتأجيل لحظة الذروة. فالنضوب هنا لا يُفهم أنه نفاد مطلق، وإنما انحدار طويل الأمد تتخلله طفرات ومسارات أفقية لأسباب تتداخل فيها الجيولوجيا مع الاقتصاد والتقنية، وتعيد السوق رسم منحناه باستمرار.

صحيح أن وتيرة اكتشاف الحقول العملاقة تراجعت، وأصبحت أقل تكراراً، وأكثر ارتباطاً ببيئات جيولوجية معقدة وتكاليف أعلى. لكن التراجع جرى تعويضه عبر تحسين تقنيات الاستخلاص، والتوسع في الموارد غير التقليدية مثل النفط الصخري، إضافة إلى الاكتشافات في المياه العميقة.

التنقيب بكفاءته المتصاعدة أيضاً لم يتوقف. بل إن التطور التكنولوجي أعاد تعريف مفهوم “النضوب المنتظر”، فلم يعد مرتبطاً فقط بكمية الموارد التقليدية القابلة للاستخراج، بل امتد ليشمل طيفاً أوسع من الموارد، ضمن ما يُعرف بالموارد القابلة للاستخراج اقتصادياً، أي تلك التي يمكن إنتاجها في ظل توازن متغير بين الأسعار والتكاليف والتقنيات المتاحة.

فالنفط الصخري على سبيل المثال، لم يكن اكتشافاً جديداً من حيث المعرفة الجيولوجية، إذ إن وجود الهيدروكربونات في الصخور المصدرية معروف منذ عقود طويلة. لكن تقنيات التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي إلى جانب التطور في معالجة البيانات وتقنيات الاستشعار والمحاكاة…الخ، هي التي حررته من مخابئه وجعلت استخراجه مجدياً اقتصادياً، خاصة بعد عام 2005 في الولايات المتحدة، ما أسهم في زيادة إنتاجها بشكل كبير، وخفّض اعتمادها على واردات النفط، دون أن يعني ذلك استقلالاً كاملاً أو دائماً عن الأسواق العالمية أو ممرات الطاقة.

هذا المورد يوجد في صخور منخفضة النفاذية، ولم يكن يُحتسب ضمن الاحتياطيات التقليدية لأنه كان غير قابل للاستخراج اقتصادياً وتقنياً. أما اليوم، فقد أصبح عنصراً مؤثراً في أسواق الطاقة، وأسهم في تخفيف، وليس إلغاء، مخاوف الوصول إلى ذروة الإنتاج العالمي.

العقبة، إذاً، لم تكن في غياب الموارد، التقليدية وغير التقليدية، بقدر ما كانت في حدود القدرة التقنية والاقتصادية على تحويل هذه الموارد إلى احتياطيات.

وهذا يعني أن على البلدان التي تعاني من نضوب احتياطاتها أن تضع استراتيجيات للبحث في البديل غير التقليدي والتقنيات الملائمة.

إن السؤال عن مستقبل النفط لا يحتاج إلى “خيال جيولوجي” بقدر ما يحتاج إلى فهم تراكمي للعلاقة بين التكنولوجيا، والتكلفة، وديناميكيات السوق. فجوف الأرض غني بالموارد، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج فعلي يظل رهناً بالابتكار والاستثمار والظروف الجيوسياسية.

ومع ذلك، فإن الحقيقة تتجاوز مادة النفط ذاته، إذ لا يوجد على هذا الكوكب مورد ثابت إلى ما لا نهاية، حتى أن الحياة ذاتها تخضع لقانون التغيّر والزوال. لذلك فإن مستقبل النفط لا يُقاس فقط بحجم الاحتياطي، وإنما أيضاً بعمر الحاجة إليه، وبقدرة الحضارة البشرية على إعادة تعريف مصادر قوتها كلما تغيّرت شروط البقاء والتقدم.

في (بعض) عالمنا العربي، ورغم أن النفط ظل مورداً مركزياً وجزءاً من الهوية الاقتصادية لعقود، وما يزال، فإن فجوة التكنولوجيا والبحث والتطوير ما تزال قائمة، حيث تعتمد الصناعة بدرجة كبيرة على استيراد المعرفة والتقنيات من الخارج.
وما يزال الخيال، في كثير من الأحيان، أسير المألوف، لا يُدرَّب على تجاوز حدوده، ولا على مساءلة اليقين السائد.
احمـــــــــــدع

مواضيع مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى